Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink نوفمبر1995 / المجلد 11 HyperLink

  New Page 1

 

التراث العلمي لرحلات أپولو

لقد ساعدت الصخور التي جُلبت من القمر

على حسم التساؤلات المتعلقة بأصل القمر وتركيبه،

وحتى بالظروف المبكرة التي أثرت في الحياة على الأرض.

<J .G. تيلر>

 

عندما قام <A .N. آرمسترونگ> و<E. ألدرين، جونير> بالحفر على سطح القمر منذ 25 عاما، فإن ما كانا يفعلانه أكثر من مجرد جمع تراب قاتم وجاف. وفي الحقيقة فإنهما كانا يقومان برحلة في الزمن. إذ إن رحلتهما على متن مركبة أپولو Apollo 11 التي قطعت 000 380 كيلومتر في الفضاء أعادتهما إلى الوراء بلايين السنين. لقد عاد آرمسترونگ وألدرين ومن جاء بعدهما من رواد القمر العشرة بعينات تحوي في طياتها تاريخا رائعا للقمر والأرض. فقد كشفت هذه الصخور الأصل المثير للدهشة للقمر والعملية العنيفة التي ولدته، وكذلك تركيبه وعمره. فضلا عن ذلك، فإن الآلات التي وضعها الرواد على سطحه مكنت الجيوفيزيائيين من إعادة النظر في البنية الداخلية لهذا التابع وفي نشاطه. ولولا البرنامج الذي وُضع لأپولو لما كان بالإمكان إنجاز أيٍّ من هذه المكتشفات.

 

إن ترحالنا إلى القمر أغنى معلوماتنا عن الأرض أيضا. فالبركنة volcanism والطي(1) folding والتصدع(2) faulting وتكوّن الجبال والتعرية وحركة الجليد على السطح محت أو عدّلت معظم تاريخ الأرض القديم. ولحسن الحظ، فلم يكن القمر نشيطا من الناحية الجيولوجية. لقد بلغ نشاطه في أول بليون سنة من عمره درجة كافية لصنع سلسلة معقدة مثيرة للاهتمام من التضاريس، لكن هذا النشاط لم يكن من القوة بحيث يمحو كليا تاريخ ما حدث. وبمقارنة الفوهات البركانية والانسيابات اللابيّة lava flows والحطام البركاني volcanic debris بالتكوينات المقابلة على الأرض، يمكن للعلماء اختبار النماذج النظرية للآليات التي ولّدت مثل هذه السمات على الأرض.

 

وبالطبع، فإن رحلات أپولو لم تعدّل فورا من فكرتنا عن أقرب جار سماوي للأرض، لأنه كان لا بد من عدة سنوات لتحليل العينات وصياغة نظريات معقولة مستندة إلى هذه المكتشفات التجريبية. وقد أحضرت الرحلات 382 كيلوغراما من صخور وتربة القمر أُخذت من ستة مواقع. ولما كانت الصخور سريعة التأكسد لدى تعرضها للهواء، فإنها حُفظت في قُمْرة جافة مملوءة بالنتروجين في مركز <ليندون B. جونسون> التابع لناسا في مدينة هيوستن.

 

صورة لشروق الأرض في منطقة مار سميثي Mare Smythi، التي تشغل الحافة الشرقية من القمر، التقطها منذ 25 سنة رواد أپولو 11. وهي تعزز الفكرة القائلة بأنه يمكننا فهم الأرض عن طريق دراسة القمر.

 

كان من بين أول الأسئلة التي أجابت عنها العينات هو عمر القمر. فقد بين التأريخ النظائري isotopic dating أن القمر تكوّن في الوقت نفسه الذي تكوَّنت فيه الأرض، أي منذ 4.5 بليون سنة. كما دلت الصخور على أن القمر كان نشيطا جيولوجيا إلى ما قبل قرابة بليوني سنة. أما الأسئلة الرئيسية الأخرى، فقد استغرقت وقتا أطول لتوفير إجابات عنها.

 

وفي الحقيقة، لم يتوصل الباحثون إلى إجماع على نظرية حول أصل القمر إلا بحلول عام 1984، أي بعد 12 عاما من انتهاء آخر رحلة من رحلات أپولو. وقد برز هذا الإجماع في مؤتمر نظمتهُ بالتعاون مع <K .W. هارتمان> (من معهد علوم الكواكب في توسون) و<R. فيليپس> الموجود حاليا في جامعة واشنطن، وعقد هذا المؤتمر في كونا Kona، وهي جزيرة كبيرة في هاواي. وعلى الرغم من العناد الذي يتسم به العلماء لدى إبداء آرائهم، فلم يظن أيٌّ منا بأن إحدى فرضيات أصل القمر ستبرز على أنها المرشحة الأولى لتتصدر غيرها من الفرضيات. ومن المؤكد أيضا أنه لم يتطرق الشك إلى أيٍّ منا بأن المؤتمر سيُسفر عن استحسان إحدى الفرضيات الكلاسيكية الثلاث. وكان لكلٍّ من هذه الفرضيات ما اعتبره بعضهم أخطاء جسيمة. كذلك فقد كان لكل منها مؤيدون يدافعون عنها بكل حماس. وقد بذل كثير من العلماء جهودا حثيثة لتكييف آرائهم مع مجموعة متراكمة من الحقائق ـ وهذه إحدى السمات التي يتميز بها الإصرار والخيال عند البشر ـ وكانت النتيجة أن تداعى العديد من البيوت الورقية في كونا.

 

كانت أقل الأفكار المطروحة قبولا في المؤتمر هي فرضية الأسْر capture. وتنص الصيغة الأصلية لهذه الفرضية على أن الأرض أسرت قمرا كامل التكوين أتى منطلقا بسرعة فائقة من إحدى بقاع النظام الشمسي. ومن وجهة المبدأ، فإن مثل هذا الأسْر ممكن ولكنه بعيد الاحتمال. فالجرم المار قرب الأرض قد يصطدم بها، أو أنه قد يزيد من سرعته نتيجة تأثير الثقالة (جاذبية الأرض)، مما يغير مساره كثيرا على نحو لا يمكنه من ملاقاة الأرض ثانية أبدا. إن الاحتمالات ضئيلة جدا بأن يكون مدارا الأرض والقمر ملائمين جدا للأسر، لذا فإن جميع العلماء، إلا قلة منهم، يرفضون فكرة الأسر هذه.

 

وقد أثبتت رحلة أپولو عدم صلاحية نظرية الأسر هذه. فقد بينت العينات القمرية أن للقمر والأرض كميات متماثلة من نظائر الأكسجين، وهذا يوحي بأنهما من طبيعتين متقاربتين. فلو تكوَّن القمر في بقعة أخرى من النظام الشمسي لكان من المحتمل أن تكون كميات نظائر الأكسجين في تركيبه مختلفة عما هي عليه الحال في الأرض.

 

كانت سيناريوهات تكوُّن القمر مختلفة جدا قبل إرسال رحلات أپولو. ففرضية الأسر (a) تصور الأرض على أنها جسم أطبقت عليه ثقالة الأرض. أما فكرة الانشطار (b) فتقضي بأن الدوران السريع للأرض في مراحلها المبكرة حول محورها أسفر عن انشطار قطعة منها لتصير القمر فيما بعد. وفي فرضية الكوكب التوأم (c)، فإن حبيبات الغبار تراكمت لتكوّن الأرض والقمر. أما نظرية الاصطدام الهائل (d) السائدة حاليا فتنص على أن صدمة هائلة للأرض قذفت حطاما سار في فلك، وهذا الحطام صار القمر فيما بعد.

 

وكانت النظرية القمرية الكلاسيكية الثانية التي قُدِّمت في المؤتمر تنطلق من فرضية الانشطار fission التي تحظى بتاريخ طويل ومشرف، والتي كان أول من اقترحها <G. داروين> الابن الثاني بين الأبناء العشرة الذين أنجبهم تشارلز. وتبعا لهذه الفرضية فإن الأرض، خلال فترة أعقبت تكوُّن قلبها، كانت تدور حول محورها بسرعة فائقة. وهذا أدى إلى انتفاخها كثيرا في منطقتها الاستوائية، ومن ثم انفصلت كتلة صغيرة منها في نهاية المطاف، وهذه الكتلة أصبحت القمر فيما بعد. ويفسِّر هذا السيناريو (المخطط) على نحو جيد سمة جوهرية للقمر استنتجها الفلكيون منذ أكثر من 100 عام. فاستنادا إلى الخصائص المدارية للقمر وحجمه، توصل الباحثون إلى أن هذا التابع يجب أن يكون أقل كثافة من الأرض. ويترتب على الكثافة المنخفضة ضرورة وجود قلب معدني صغير فقط للقمر، هذا إذا احتوى فعلا على مثل هذا القلب. ويمكن لفكرة الانشطار تفسير هذه الحقيقة، ذلك أن قمرا منشطرا يجب أن يكون مكونا في معظمه من معطف mantle الأرض (الطبقات بين القشرة والقلب).

 

لقد بينت الحسابات اللاحقة أنه كي تَقذف الأرض المادة التي أصبحت قمرا، فلا بد أن الأرض كانت تدور دورة كاملة حول محورها كل ساعتين ونصف الساعة. وهذا اليوم القصير هو إحدى المشكلات الرئيسية في هذه الفرضية، فما من أحد يستطيع أن يفهم السرعة العالية التي كانت تدور بها الأرض حول محورها. فالنماذج التي تصف تكوُّن الكواكب على أنه تراكم لذرات الغبار تشير إلى أن الأرض لا بد أن تكون قد بدأت بدوران بطيء حول محورها، إذا كان ثمة وجود للدوران. إن دمج الحوادث التي تضيف الزخم الزاوي angular momentum ـ أهمها صدم الكويكبات التي تصل أقطارها إلى بضع مئات من الكيلومترات ـ لم يفد في شيء. وقد بينت المحاكيات الحاسوبية computer simulations أنه إذا ضَرَبَ جسمٌ الأرضَ ليضيف إليها تدويما spin باتجاه دوران عقارب الساعة، فإن صدمة ثانية كفيلة بجعل الأرض تدوّم بعكس اتجاه عقارب الساعة. وحتى لو كانت هناك آلية لمد الأرض بقدر كاف من الزخم الزاوي، فإنه يتحتم على المدافعين عن فرضية الانشطار أن يجدوا طريقة للتخلص من قدر كبير من طاقة الدوران. إن النظام الحالي للأرض والقمر لا يملك ذلك القدر من الزخم الزاوي المطلوب لإحداث انفصال أحد هذين الجرمين أحدهما عن الآخر. ومع ذلك، فإن الحسابات تركت فسحة كافية للمناورات الذهنية للحيلولة دون إهمال فرضية الانشطار انطلاقا من اعتبارات ديناميكية فقط.

 

لقد زودنا برنامج أپولو باختبار جديد. فلو انسلخ القمر عن الأرض بهذه الطريقة، لوجب أن يكون له التركيب نفسه للمادة الصخرية للأرض قرب سطحها (وعلى وجه التحديد القشرة والمعطف). إن للقمر والأرض مقدارين متطابقين من نظائر الأكسجين، وهذا يدل على أن هذين الجرمين مرتبطان بطريقة ما. بيد أن معطيات حاسمة حصلنا عليها من العينات القمرية ومن مقاييس الزلازل التي تركت على سطح القمر ومن دراسات طيفية أجرتها رحلتا أپولو 15 و16، مكَّنت الباحثين من الاستنتاج بأن للقمر والأرض تركيبين كيماويين مختلفين.

 

وعلى سبيل المثال، فإن القمر يحوي كمية أقل بكثير من المواد الطيارة ـ وهي مواد تتبخر بسهولة وسرعة ـ مما يحويه معطف الأرض. فالقمر يفتقر كليا إلى أي فلزات حاملة للماء إذ إنه جاف تماما. وهو يفتقر أيضا إلى أنواع أخرى من المواد الطيارة، بدءا من الشائعة منها مثل البوتاسيوم والصوديوم، وانتهاء بكيماويات قليلة الوجود مثل البزموث والثاليوم. واكتشف العلماء أيضا أن القمر غني بمواد غير طيارة بالنسبة إلى الأرض. إن هذه المواد التي تسمى مقاومات للحرارة refractories هي المقابلات للمواد الطيارة، إذ إنها تغلي في درجات حرارة عالية. ويبدو أن هذه المواد، كالألمنيوم والكالسيوم والثوريوم وعناصر الأتربة النادرة rare-earth elements، موجودة في القمر بتراكيز تفوق تراكيزها في الأرض بنحو 50 في المئة. وثمة دليل آخر ضد فرضية الانشطار يأتي من نسبة أكسيد الحديد إلى أكسيد المغنيزيوم، ذلك أن نسبة هذين المركبين تبدو أعلى بنحو 10 في المئة في القمر مما هي عليه في معطف الأرض وقشرتها.

 

يُظَنُّ بأن محيطا من الصهارة كان فيما مضى يحيط بالقمر حول لبّه الصلب، وأنه خلال 100 مليون سنة تبلورت هذه الصهارة ببطء. والمادة الأخف، المكونة في معظمها من پلاجيوكليس فيلدسبار، طفت إلى السطح لتكوّن في النهاية القشرة القمرية. أما المركبات الأثقل، المكوّنة في معظمها من الأوليڤين والپيروكسين، فإنها غاصت لتصبح معطف القمر.

 

وعلى الرغم من هذا الدليل فإن مؤيدي الانشطار لم يقتنعوا، إذ إنهم طوروا خططا لتقليل المواد الطيارة وإغناء مقاومات الحرارة. فقاموا بزيادة مقدار الخطأ في نسبتي أكسيد الحديد إلى أكسيد المغنيزيوم إلى درجة تكفي للادعاء بأن الجرمين لا يمكن التمييز بينهما. ولكن مكتشفات برنامج أپولو أقنعت معظم الباحثين على المدى الطويل بأن نظرية الانشطار لا تتمشى مع التركيب الكيميائي لصخور القمر.

 

الفكرة الكلاسيكية الثالثة هي فرضية الكوكب التوأم التي تفيد بأن القمر والأرض تكوَّنا في وقت واحد من سحابة من الغاز والغبار. وهكذا نشأت المواد الخام للقمر عن حلقة من المادة كانت تدور في مسار حول الأرض. وعندما كان حجم الأرض يكبر، كانت الحلقة تكبر وكذلك القمر البدائي فيها. وقد واجهت هذه الفرضية دوما صعوبات في تفسيرها بسبب احتواء القمر على قلب حديدي صغير مقارنة بقلب الأرض. وقد قام بمعالجة هذه المشكلة طوال السنة السابقة للمؤتمر كل من <J .R. گرينبرگ> و<J .S. ويدينشلنگ> إضافة إلى زملاء آخرين من معهد علوم الكواكب في جامعة أريزونا، فتوصلوا إلى أن حلقة المواد الدائرة حول الأرض تقوم مقام مرشح بحيث إن الأجزاء الصخرية من الأجسام الآتية تتحطم بسهولة وتندمج في الحلقة، في حين أن الأقسام المعدنية تتابع مسيرها لتصبح جزءا من الأرض.

 

لقد دار كثير من النقاش حول إمكان حدوث هذه العملية، وألقى العديد من الباحثين بظلال من الشك حول ما إذا كانت الأجسام الآتية ستنقسم إلى قلوب ومعاطف. ومع أن فرضية الكوكب التوأم تفسر تشابه تركيب نظائر الأكسجين في الأرض والقمر، إلا أنها لا تعلل الاختلافات في المواد الطيارة ومقاومات الحرارة. والأهم من ذلك هو أن هذه الفرضية تواجه صعوبات تتعلق بمسألة الزخم الزاوي. فهي لاتفسر كيف تكون مدة دوران الأرض حول محورها 24 ساعة، وهذا أسرع مما جرى التنبؤ به بوساطة نماذج التنامي accretion البسيطة، ولا كيف أمكن للحلقة اكتساب سرعة دورانية كافية لإبقائها في مسارها.

 

وفيما كنا ننظم الاجتماع في جزيرة كونا، كنت أتساءل عن نوع التعديلات الجديدة التي ينوي إجراءها مؤيدو هذه الفرضيات التي كان كلٌّ منها يعاني عيوبا جوهرية، وعلى الرغم من أنه طُرِحت فعلا بعض التعديلات، فإن الدهشة اعترتنا جميعا نتيجة الاستقبال الحماسي الذي قوبلت به فكرة جرى تجاهلها ردحا طويلا من الزمن، ألا وهي نظرية الاصطدام الهائل giant impact. وكان من بين أشد المندهشين هارتمان، أحد المشاركين في تنظيم المؤتمر وأحد الذين ابتكروا هذه النظرية. وفيما كانت المداولات تشارف على نهايتها، تم إجماع واضح على تأييد هذه الفكرة التي تذهب إلى أن اصطدام قذيفة ضخمة بالأرض المتنامية أسفر عن ترحيل مادة كوَّنت القمر فيما بعد. وبالطبع، فقد بقي نفر من المحافظين المشككين متشبثين بقوة بآرائهم القديمة، لكن نظرية الاصطدام الهائل حظيت بتقدير معظم المشاركين واهتمامهم.

 

لم تكن هذه الفكرة في الحقيقة جديدة تماما. وكحال الممثل الذي يلاقي نجاحا مفاجئا بعد سنين من الأدوار الصغيرة، فإن نظرية الاصطدام الهائل كانت ممثلا مغمورا مدة طويلة. وكان قد اقترحها هارتمان وزميله <R .D. ديڤيس> عام 1975 لدى بحثهما في مسألة تكوُّن الكواكب من تراكم أجسام صغيرة، إذ لاحظا أن كثيرا من الأجسام الكبيرة لا بد أن تكون قد تجولت قرب الأرض، علما بأن قلة منها كان بحجم المريخ. وقد وضع هارتمان وديڤيس فرضية تقول بأن الأرض اصطدمت بواحد من هذه الأجسام الكبيرة، وأنه نجم عن هذا إطلاق بعض المواد التي كوَّنت المادة الأولية للقمر. وقد اقترح <W .G .A. كاميرون> (من مركز هارڤارد سميثسونيان للفيزياء الفلكية) و<W. وارد> (من مختبر الدفع النفاث في پاسادينا بكاليفورنيا)، كل على حدة، الفكرة ذاتها بعد سنة من اقتراح هارتمان وديڤيس، وذلك عندما كانا يسعيان إلى حل مسألة الزخم الزاوي. فضلا عن ذلك، فإنهما أوردا تفاصيل الآلية التي تجعل المادة تجري في مسار حول الأرض دون أن تعود إليها.

 

وكان قد توقع النتائج التي توصل إليها هارتمان وديڤيس عالم الجيولوجيا الراحل <A .R. دالي> (من جامعة هارڤارد) منذ أكثر من 30 سنة. هذا وكشف عالِمان بارزان من رواد علوم القمر، هما <R. بالدوين> من Oliver Machine Company في گراند راپيدس و<E .D. ويليمز> من هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية في منلوپارك بكاليفورنيا، أن دالي كان قد اقترح عام 1946 أن القمر تكوَّن من الأرض نتيجة اصطدام عرضي بجسم ذي حجم كوكبي. وعلى الرغم من احتواء تحليل دالي على أخطاء، فإن فكرة الاصطدام الهائل كانت واردة بوضوح في ثنايا بحثه الدال على بعد النظر، والذي جرى تجاهله تماما. وحتى لو تمت قراءة بحث دالي على نطاق واسع، فإنه كان من المحتمل مع ذلك عدم الاهتمام به، لأنه نُشر قبل إدراك العلماء بأن الاصطدامات هي عملية كوكبية مهمة [انظر: "Prematurity and Uniqueness in Scientific Discovery" by G. S. Stent; Scientific American, December 1972].

 

وعلى الرغم من أن فرضية الاصطدام الهائل بقيت قابعة في الظل إلى حين طرحها في كونا، فإنه ـ منذ مؤتمر 1984 ـ لم يحدث ما من شأنه النيل من موقعها المكين كنظرية رائدة. إنها، ببساطة، تفسر عددا كبيرا جدا من الملاحظات. فالقمر يفتقر إلى حديد معدني في مركزه لأن قلب الجرم الصادم مسَّ الأرض، ومن ثم فإن القمر تكوّن من الأجزاء السليكاتية في كلا الجُرمين. والاختلاف في نسبة أكسيد الحديد إلى أكسيد المغنيزيوم بين الأرض والقمر موجود لأن القمر تكوَّن في معظمه من مادة الجسم الصادم. (ويفترض أن القذيفة كانت تحوي من أكسيد الحديد أقل مما تحويه الأرض).

 

إن جفاف القمر ناجم عن مقدار التسخين الذي لا يمكن حسابه والذي حدث خلال الاصطدام، لأن الحرارة العالية بخرت كل الماء والمواد الطيارة الأخرى. كذلك فإن مقاومات الحرارة ازدادت في تركيب القمر لأنها تكثفت ثانية بسرعة بعد التسخين ودُمجت فيه. ويعود سبب التطابق في كميات نظائر الأكسجين في تركيبي القمر والأرض إلى أن الجسم الصادم والأرض تكوَّنا في البقعة نفسها من النظام الشمسي الذي كان يتطور. وأخيرا، فإن هذه الفرضية تفسر أشد المسائل تعقيدا، ألا وهي الزخم الزاوي للنظام المؤلف من القمر والأرض: فلا بد أن تكون القذيفة قد ضربت الأرض بعيدا عن محورها المركزي، ومن شأن هذه الضربة زيادة سرعة دوران الأرض حول محورها إلى قيمتها الحالية.

 

إن أهم الحقائق التي تصب في مصلحة نظرية الاصطدام الهائل هي أن هذا الاصطدام هو نتيجة طبيعية لعملية تكوُّن الكواكب، إذ لا ضرورة لإقحام ظروف افتراضية غير محتملة لحدوث هذا الاصطدام. فمثل هذه الكوارث، حتى ولو كانت هائلة، ليست أمرا بعيد الاحتمال. وفي الحقيقة، فإن علماء الكواكب يلجأون الآن إلى الاصطدام الهائل لتفسير تركيب كوكب عطارد وزاوية الميل الكبيرة لأورانوس. فمن دون هذا الحادث الضخم، الذي جرى في باكورة تاريخ النظام الشمسي، ما كان ثمة وجود للقمر في السماء، وما كان للأرض أن تدور حول محورها بالسرعة الحالية، وما كان من الممكن أن تجري عليها حوادث المد والجزر القوية هذه. ويمكن للأيام أن تصبح بطول السنين كما هي الحال على الزهرة، بيد أنه يحتمل ألا نكون على قيد الحياة عندئذ لنشهد ذلك.

 

وفضلا عن حل مسألة أصل القمر، فإن عينات أپولو مكنت الباحثين من استنتاج بنية هذا التابع وكيفية تطوره. ويبدو أن ملامح القمر قد أُعيدت صياغتها قليلا بفعل العمليات الداخلية، ولكن بدرجة أقل كثيرا مما هي عليه الحال في الأرض. إن كمية ضخمة من الصهارة (الماگما) الموجودة على عمق آلاف الكيلومترات، والتي يبدو أنها كانت تحيط بالقمر وأنها أسهمت في تكوين قشرة القمر ومعطفه، عجَّلت بالأحداث هناك. وفي الحقيقة، فإن نظرية محيط الصهارة هذه ما انفكت تمثل عقيدة مركزية في علم القمر منذ أن أحضرت أپولو 11 العينات الأولى.

 

لقد حطت سفينة إيگل Eagle على سطح منطقة في بحر الهدوء Sea of Tranquillity وهو أحد البقاع الرمادية الداكنة التي هي بقايا جريانات واسعة للاّبة lava، التي انطلقت إلى السطح منذ بلايين السنين. وكان أغلب ما جلبه أرمسترونگ وألدرين عينات من تحت أقدامهما ـ وهي صخور صلدة بازلتية غنية بالتيتانيوم واقعة تحت التربة. كذلك فقد أعادا معهما عينات من تربة سطح القمر (الريگوليث)، وهو الحطام الطليق الذي يسقط ثانية على القمر بعد أن تكون اصطدامات النيازك قد قذفته عاليا. إن التربة القمرية هذه تغطي معظم سطح القمر إلى أعماق تصل إلى 20 مترا.

 

تحوي عينات التربة القمرية نسبة مئوية زهيدة من أحجار بيضاء وحصيات مكونة بصورة رئيسية من سليكات الألمنيوم والكالسيوم، وتسمى پلاجيوكليس فيلدسبار plagioclase feldspar. وبعض الصخور، المسماة أنورثوزايتس anorthosites كانت مركّبة من مثل هذا الفيلدسبار دون غيره. وقد اقترح <A .J. وود> (من مركز هارڤارد ـ سميثسونيان للفيزياء الفلكية) و<V .J. سميث> (من جامعة شيكاغو)، كل على حدة، أن هذه الجسيمات الشاذة التي تزين أپولو 11 جرى قذفها هناك بفعل الاصطدامات بتضاريس الهضاب البعيدة (المناطق الفاتحة اللون من القمر). وهكذا فإنهما يستنتجان أن الهضاب يجب أن تسودها صخور غنية بالفيلدسبار. وقد أيد هذا الاستنتاج الجريء أپولو 16 وسفينة فضاء أخرى هبطت على الهضاب. هذا وإن القياسات الكيميائية من مدار القمر التي نفذتها أجهزة أپولو 15 وأپولو 16 أثناء دورانهما حول القمر، وكذلك الأرصاد المقرابية للهضاب التي أجراها زميلي <R .B. هوك> ومعاونوه من جامعة هاواي، وفرت جميعا أدلة دامغة على ذلك.

 

بيد أن هذا الاستنتاج لم يكن كافيا لوود وسميث، إذ إنهما أرادا معرفة السبب في كون الهضاب غنية جدا بالپلاجيوكليس فيلدسبار. ومن المحتمل أن تكون المادة قد تراكمت في أعلى الصهارة مثل مكعبات الثلج التي تطفو في كوب من الماء. ومثل هذه الحوادث تجري على الأرض في صهارات كبيرة تسمى الاندساسات الطبقية layered intrusions. وتتكون هذه البنى عندما تغوص فلزات كثيفة وترتفع الفلزات الأخف وزنا. وقد توصل وود وسميث إلى أن الفيلدسبار طفا في «بحر» من الصهارة مما أدى في النهاية إلى توليد القشرة القمرية. أما الفلزات الثقيلة المركبة من سليكات المغنيزيوم والحديد ـ الأوليڤين والپيروكسين ـ فقد غاصت لتولِّد المعطف. فضلا عن ذلك، فقد حاجَّ العاملون بأنه لو كانت جميع الهضاب غنية بالفيلدسبار لكانت الصهارة موجودة في كل مكان محيطة بالقمر. وهكذا وُلد محيط الصهارة، وهي فكرة لم يكن يتخيلها أحد قبل رحلات أپولو.

 

الأنورثوزايت anorthosite هو نوع من الصخور جُلب من الهضاب القمرية (في اليسار). ويكشف تركيبَ الصخرة شريحةٌ أخذت لها صورة فوتوغرافية بوساطة ضوء مستقطب (في اليمين). تستقطب المركبات المختلفة الضوء بطرق مختلفة وبمرشحات، ويمكن تحديدها باللون. فجميع الفلزات من اللون الضارب إلى الرمادي وحتى اللون الأبيض هي فيلدسبار. أما الحبيبات البرتقالية الدقيقة فهي فلزات حديد ـ مغنيزيوم.

 

ويرد مزيد من التأييد لمفهوم محيط الصهارة من مجموعة من الصخور يبدو ظاهريا أنها غير مترابطة، وهي بازلت المناطق الداكنة في بحر الهدوء. فهذه الصخور غنية بالأوليڤين والپيروكسين ـ وهي المواد الثقيلة التي غاصت في محيط الصهارة واندفعت إلى السطح على شكل لابة منذ ثلاثة بلايين سنة. والأهم من ذلك أن هذه الصخور تفتقر إلى عنصر استشفاف trace element يسمى يوروبيوم europium. بيد أن الپلاجيوكليس فيلدسبار في الهضاب غني بهذا العنصر. وفي الحقيقة فإن غناه في الهضاب يساوي تقريبا نضوبه في بازلت المناطق الداكنة. وتدعم هذه المكتشفات الافتراض بأن كلا من المناطق الداكنة والهضاب انبثق عن محيط الصهارة. وخلال تكونها، فإن الهضاب الغنية بالفيلدسبار انتزعت من اليوروبيوم أكثر مما انتزعته بازلتات المناطق الداكنة.

 

إن وجود محيط للصهارة يثير السؤال عن الكيفية التي تكوَّن بها. وعلى وجه التحديد يمكن طرح السؤال التالي: من أين أتت الطاقة اللازمة لانصهار المادة الكوكبية؟ قد تكون عملية تكوين القلب أسهمت في بعض الطاقة، إذ إن غوص الحديد المعدني يطلق حرارة. والاصطدام العنيف الذي أدى إلى تكوُّن القمر أسهم في مزيد من الطاقة. وقد ناقش الجيوفيزيائيون هذه المسألة بالتفصيل واستنتجوا بأن الاصطدام الهائل أدى إلى تكون كمية كبيرة من المادة المصهورة. وكان الانصهار من الضخامة بحيث إن 65 في المئة من القذيفة والأرض تحول إلى صهارة.

 

إن فكرة محيط الصهارة تطبق الآن على كواكب أخرى أيضا، وهي آخذة في تغيير الطريقة التي كان ينظر بها العلماء إلى تطور النظام الشمسي وتاريخه المبكر. وفي المختبرات، يحاول التجريبيون تحديد كيفية تكوّن الفلزات في الصهارة وكيفية اقتسام العناصر الاستشفافية بين الصهارة والمواد المبلورة. وثمة نفر آخر من الباحثين يدرسون العمليات التي يُمكن أن تكون قد ولَّدت محيطَ صهارة على الأرض منذ 4.5 بليون سنة (إن الجيولوجيا النشيطة لكوكبنا منذ ذلك الحين أزالت جميع الأدلة على تكون محيط صهارة). وقد اطَّلعتُ على أدلة تفيد بأن بعض الكويكبات، وبخاصة تلك التي كونت قلوبا حديدية، حوت أيضا محيطات للصهارة في حقبة مبكرة من تواريخها. لكن هذه البحوث تفرعت كثيرا لأن علماء مبدعين وجريئين علقوا أهمية خاصة على بضع عشرات من قطع صغيرة من الصخر الأبيض في كومة تراب من القمر ذات لون رمادي داكن.

 

وعلى الرغم من أن الأدلة دامغة، فإن بعض الباحثين مازالوا يشككون في صحة نظرية محيط الصهارة، وهم يستشهدون بوجود هضاب تفتقر إلى الفيلدسبار. ويتطلب البرهان النهائي مسحا شاملا لقشرة الهضاب من قبل مركبة فضائية تدور حول القمر. ومنذ عهد قريب، أتمت سفينة كليمنتاين Clementine، التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية هدفها المتمثل في اختبار المحسِّات (المجسّات) sensors المتطورة، مهمتها لرسم القمر مطيافيا spectroscopically. (ليس لناسا بعثات مهمتها دراسة القمر). ومن المحتمل أن توفر المعلومات الواردة من محسات كليمنتاين معطيات حاسمة لتقدير كمية الپلاجيوكليس فيلدسبار في القشرة.

 

وعقب الاصطدام الهائل والتكوّن البنيوي الناجم عن محيط الصهارة، اجتاز القمر خطوة أخرى في مسار تطوره: إنها تكوين الفجوات بالاصطدام impact crateriny. وهذه العملية الجيولوجية الرئيسية مازالت في الحقيقة تؤثر في الكواكب، على الرغم من أن أهميتها لم تكن دوما تحظى بالاستحسان. فقبل عصر الفضاء كان كثير من العلماء يدّعون بأن البركنة أحدثت الفوهات والتجاويف القمرية. لكن بعد إنجاز رحلات أپولو، فإن فهمنا لعمليات الاصطدام ونواتجها ازداد على نحو كبير. فقد أثبت الجيولوجيون أن كثيرا من البنى الدائرية على الأرض تكونت نتيجة اصطدام الأرض بجسم من خارج الأرض. وقد درسوها ليحددوا الخصائص الأساسية لهذه الظواهر. وقام آخرون بصنع فوهات في المختبرات باستخدام مسدسات تطلق قذائفها بسرعات عالية تصل إلى عدة كيلومترات في الثانية مندفعة بقوة نحو أهدافها.

 

إن أول من جمع شواهد قوية على الأصل الصدمي للفوهات القمرية هو الجيولوجي المشهور <K .G. گلبرت> الذي امتدت ساحة إسهاماته من المصورات الأساسية إلى الجيولوجيا المائية hydrogeology. وفي عام 1893 نشر بحثا كلاسيكيا بعنوان وجه القمر The Face of the Moon، شكّل أول دراسة جيولوجية لتابع الأرض. ويؤكد گلبرت بحق أن البقاع الداكنة في القمر هي سهول لابيّة فسيحة. وهو أيضا يصف الفوهات ويفسر السبب في عدم إمكانها أن تكون بركانية. ومثلما كان بحث دالي عن أصل القمر منسيا، فإن هذا البحث كان منسيا أيضا لعقود طويلة. وفي الحقيقة، لم تعد فكرة تكوين الفوهات بالاصطدام إلى الحياة ثانية إلا في أوائل الأربعينات من هذا القرن حين بدأ بالدوين بدراسة القمر. ومن الطريف أن بالدوين عرف الأهمية الكبيرة لبحث گلبرت من خلال رسالة تلقاها من دالي عام 1948.

 

إن الهضاب تلقت أجساما أكثر من غيرها، وتبين الصخور صحة ذلك. وقد جرى صهر معظم العينات وخلطها وطحنها وضغطها بأمواج من النيازك. وهذه الصخور، التي تسمى بريشيا breccias، معقدة جدا. وأعمار بريشيا الهضاب مثيرة للدهشة، ففي عام 1974 أثبت فؤاد طيرة و<A .D. پاپاناستاسيو> و<J .G. ڤاسربيرگ> (من معهد كاليفورنيا للتقانة) وجود عمرين لصخور الهضاب: أولهما نحو 4.4 بليون سنة، وهو الذي عدَّه طيرة وزميلاه نهاية مرحلة التكون الأولي للقمر (عندها يكون محيط الصهارة قد توقف عموما عن التبلور)، والآخر قرابة 3.9 بليون سنة. وقد توصلوا إلى أن هذا العمر الثاني يمثل عمر القصف الشديد الذي محا كل دليل على حوادث القصف السابقة. إن الصدمات «تصحح» أعمار الصخور السطحية. وقد سمَّوا هذه الفترة من الصدم العنيف «الجائحة القمرية» lunar cataclysm. ويقصد من هذه الفكرة أن معظم الأحواض والفوهات الضخمة على القمر تكونت في فترة زمنية قصيرة بدأت منذ ما بين 3.85 بليون سنة وأربعة بلايين سنة. وفي الحقيقة، فقد تبين من العينات التي جرت دراستها أن أعمار جميع الصخور تقريبا التي وفرتها رحلات برنامج أپولو ومركبة لونا Luna 20 الروسية المؤتمتة محصورة ما بين 3.85 و3.95 بليون سنة.

 

<H .H. شميت>، رائد فضاء أپولو17، يقف بجوار صخرة تحوي مواد كانت انصهرت عقب قذيفة ضخمة ضربت القمر منذ 3.86 بليون سنة. وقد خلّفت هذه الصدمة حوض سيرينيتاتيس Serenitatis، وهو منخفض عرضه 920 كيلومتر. إن اختيار أنماط محددة من عينات القمر ساعد على أن نعرف بالتفصيل أهمية الفوهات الناتجة من الصدم في تكوين الكواكب.

 

لم تَرُق فكرة الجائحة القمرية لبعض العلماء. فبالدوين رأى أن التجمع الظاهري للأعمار هو وهم، فالمعطيات في الواقع كانت تعاني التوزع الواسع الانتشار للحطام المقذوف. وعلى وجه التحديد، فإن الحطام نشأ عن الحادث الهائل المسؤول عن تكوّن حوض إمبريوم Imbrium، وهو منخفض عرضه 1300 كيلومتر موافق للعين اليمنى لوجه الرجل على القمر. ويحاجُّ بالدوين أيضا في أن الأجزاء المرتفعة من الأحواض الكبيرة قد غطست تدريجيا، مما يدل على أنها تكونت قبل 3.95 بليون سنة. ويعتقد هارتمان أن تجمع الأعمار حول 3.9 بليون سنة مثَّل آخر سيَّالة آخذة في الانخفاض من المقذوفات المتخلفة من تنام كوكبي. وندرة العينات من الزمن السابق لتلك الفترة كانت نتيجة لما سماه «جدارا صخريا». ففيما كان يجري إعادة تسخين الصخور القديمة بالصدمات، كانت أعمارها تعود باستمرار إلى 3.9 بليون سنة. لذا لم يسجَّل سوى أحداث الصدمات الأخيرة. وقد أقنعتْ حجج هارتمان وبالدوين معظم الباحثين. وهكذا فإن احتمال الجائحة القمرية ـ السرعة المفاجئة في معدل الصدم منذ ما بين 3.85 بليون سنة وأربعة بلايين سنة ـ استُبعد جانبا، أو جرى تجاهله على الأقل.

 

استمر نفي الجائحة القمرية مدة تجاوزت عشر سنوات إلى أن أعاد إنعاش هذه الفكرة بقوة عام 1990 <G. رايدر> من معهد القمر والكواكب في هيوستن. ويورد رايدر ثلاث نقاط. أولاها أن أعمار الصخور لا يمكن تصحيحها بسهولة. فالبحوث الحديثة حول آثار الصدمات في الأعمار تبين أن المواد الوحيدة التي تتأثر أعمارها هي تلك التي تنصهر خلال الصدم، وربما، نسبة صغيرة من الصخور الأخرى في المنطقة المصدومة. فمعظم الصخور تسحق وتنتثر من دون أن تسخن بقدر كبير.

 

كذلك فإن رايدر لا يوافق على فكرة الجدار الصخري التي ارتآها هارتمان. وهو يلفت الانتباه إلى عينات من الانسيابات اللابية عُثر عليها بين عينات أپولو 14. ولهذه الصخور أعمار تمتد من 3.9إلى 4.3 بليون سنة. وهي تدل على أن أعمار العينات يمكن الحفاظ عليها حتى لو كانت الأكثر عرضة للتدمير نظرا لموقعها على السطح القمري.

 

أما النقطة الرئيسية الثالثة التي أوردها رايدر هي تحديه لفكرة أن جميع العينات تعكس عمر حوض إمبريوم الضخم. وفي الحقيقة، فإن معظم الباحثين يشعرون الآن بأن هذه الفكرة قد تكون مفرطة في التبسيط. فالهضاب تحوي زمرا عديدة من الصخور المتمايزة كيماويا والمنصهرة بفعل الاصطدام، وهذه حقيقة توحي بعدة اصطدامات. وأعمار الصخور تتجمع بين 3.85 و3.95 بليون سنة.

 

ومع ذلك فإن مسألة العدد المضبوط للحوادث المؤرخة بدقة يبقى واردا. وهكذا فهل المسألة هي عدد الصدمات التي تولد جائحة. إن وجهات النظر المختلفة الواردة في فرضية الجائحة وفكرة الجدار الصخري تنشأ جزئيا عن طريقتين للنظر إلى القمر. فرايدر يدافع عن الجائحة لأن لديه بعض الثقة فيما تنبئنا به العينات القمرية. أما هارتمان فإن اهتمامه ينصب أكثر على كيفية تنامي الكواكب، ومن ثم فهو يفضل نظرية الجدار الصخري. إن التوفيق بين وجهتي النظر هاتين يتطلب مزيدا من عينات القمر. وبوجه خاص، سيكون من المفيد الحصول على عينات المخزونات الموجودة داخل الأحواض الكبيرة والتي انصهرت نتيجة الصدم. فتاريخها يحدد على نحو مباشر خال من الغموض عمر كل حوض جُمعت منه العينات.

 

يُحتمل أن تكون الهضاب التي تسودها الفوهات في الجانب البعيد من شرق مار سميثي قد تشكلت خلال حادث سريع جيولوجيا هو الجائحة القمرية. وتذهب هذه الفرضية إلى أن القمر تعرض إلى قصف عنيف منذ نحو 3.85 و4 بلايين سنة.

 

ومن المحتمل جدا أن القصف الذي ولّد الفوهات على القمر لم يكن القصف الوحيد، ويبدو أنه حدث في كل أرجاء النظام الشمسي. فهناك تضاريس قديمة ذات فوهات على كوكَبَي المريخ وعطارد ـ وفي الواقع، فإن عطارد يبدو شديد الشبه بالقمر. (إن كوكب الزهرة ناشط جدا إلى درجة لا تسمح لملامحه الأولية أن تبقى على حالها.) ويحتمل أن تكون عدة مقذوفات ضربت الأرض أيضا في مراحل تكونها الأولى. وتمكِّن الفوهات القمرية من تقدير حجم بعض الأجسام التي تحطمت على الأرض. ويوجد على القمر 35 حوضا قطر كل منها أكبر من 300 كيلومتر. وحتى لو تكوَّن نصفها منذ ما بين 3.85 و4 بلايين سنة، فلا مفر من الاستنتاج بأنه خلال الفترة نفسها لا بد أن تكون الأرض قد تعرضت إلى أكثر من 300 صدمة مشابهة. (الأرض هدف أكبر من حيث حجمها وكتلتها، ومن ثم فإنه يحتمل أن تصاب بعدد من القذائف يفوق 20 مرة عدد تلك التي تصيب القمر). ومن هذه الصدمات، فإن ما بين 15 و20 صدمة لا بد أن تكون هائلة ومخلفة أحواضا أقطارها تتجاوز 2500 كيلومتر. وهذا الحجم، الذي يساوي حجم أكبر الأحواض القمرية، يعادل نحو نصف عرض الولايات المتحدة.

 

لا بد أنه كان لهذه الصدمات نتائج مثيرة، إحداها يمس جيولوجيا الأرض. ولا بد أن تكون الصدمات الكبيرة قد غيرت أي أنماط للحمل convection في المعطف والتي يحتمل أنها أحدثت تكتونية الصفائح في وقت مبكر. ويمكن لهذه الصدمات أيضا أن تكون قد استخرجت بسرعة مادة حارة من المعطف. وبعد خروج الصخور الحارة إلى السطح، تكون قد انصهرت حالا مولدة كميات ضخمة من الصهارة. ومن المحتمل أن تكون الفوهات المتخلفة قد جمعت مواد ترسبت من تآكل المناطق العالية من حواف الفوهات أو من الجبال في منتصف الفوهات. وقد تكون هذه الترسبات أدت إلى تكوّن القارات الأولى.

 

وفي هذه الحقبة كان من الصعب ازدهار الحياة على الأرض. وكان بمقدور أعتى الحوادث تبخير كل الماء السائل على الكوكب، وهذا يجعل من غير المحتمل الإبقاء على الماء أو الحياة في أي بقعة من الأرض. ومن ثم يستلزم ذلك من الحياة أن تبدأ من جديد. وفي الحقيقة، فإن <G. شيبا> (من مركز بحوث إيمز في موفيت فيلد بكاليفورنيا التابع لناسا) يعتقد بأن الحياة دُمِّرت قبل توقف الصدمات منذ نحو 3.8 بليون سنة، وأنه بدءا من ذلك الحين فقط كان بإمكان الحياة أن تتخذ لنفسها مقرا دائما على الأرض. وواقع الحال، إن ثمة أدلة قوية على أن المواد العضوية نشأت منذ 3.6 بليون سنة، أي بعد 200 مليون سنة فقط من توقف قصف الأرض. وتبين البحوث الحديثة أن الجزيئات المتناسخة ذاتيا self-replicating يمكن أن تتطور بسرعة، ومن ثم فإن مدة 200 مليون سنة هي إطار زمني معقول لظهور العضويات.

 

تأثير رحلات أپولو في علم القمر

الموضوع

وجهة النظر قبل أپولو

وجهة النظر الحالية

الأصل

مأسور، مشتق من الأرض

أو مكوّن مع الأرض ككوكب

مضاعف

اصطدام هائل بالأرض، أعقبه

تكون القمر من الحطام

الفوهات

معظمها تكوّن نتيجة اصطدامات

بالقمر، وبعضها بركاني.

جميعها تريبا تكونت

نتيجة اصطدامات بالقمر

وجود مواد

طيارة (كالماء)

غير معلوم، على الرغم من

أن بعض العلماء كانوا

يظنون أن الماء كان يجري

على سطح القمر.

القمر جاف في الأغلب، لكن

الماء الذي جلبته بعض المذنبات

التي اصطدمت بالقمر قد يكون

محجوزا في أمكنة قارسة

البرودة في القطبين

أعمار الصخور

غير مؤكدة، لكنه يحتمل أن تكون كبيرة (أكثر من

بضعة بلايين من السنين)

المرتفعات: معظم الصخور

أعمارها تتجاوز 4.1 بليون

سنة، وعمر الأنورثوزايتس

4.4 بليون سنة

البحار القمرية: بعضها فتيّ عمره

قرابة بليوني سنة، وعمر بعضها

الآخر 4.3 بليون سنة

محيط

الصهارة

لم يكن واردا

تكوّن الأنورثوزايتس من محيط

الصهارة، وتكوّنت صخور المرتفعات الأخرى بعد ذلك

تركيب البحار

القمرية

غير معلوم

تشكيلة واسعة من أنواع البازلت

تركيب

المرتفعات

غير معلوم

تشكيلة واسعة من الأنواع

الصخرية، لكنها جميعا تحوي

من الألمنيوم أكثر مما يحويه

البازلت في البحار القمرية

تركيب

المعطف

s

غير معلوم

أوليڤين وپيروكسين في المقام

الأول، وتتغير نسبة هذين

المعدنين من مكان إلى آخر.

 

وقد استُخدمت الصدمات الكبيرة أيضا في تفسير الانقراضات الكبرى على الأرض. ففرضية الاصطدام موثقة جيدا على نحو خاص في الفاصل ما بين كريتاشيوس ـ تيرشياري Cretaceous - Tertiary boundary الذي نجم عنه انقراض نصف الكائنات الحية، بما فيها الدينوصورات، منذ 65 مليون سنة. والخطوط الرئيسية للأدلة على ذلك تنجم عن التخصيب الشامل للإيريديوم في هذا الفاصل ووجود أشكال مصدومة من الكوارتز والفيلدسبار. وقد قامت فرق برئاسة <A. هيلدبراند> (من جامعة أريزونا) و<B .V. شاريتون> (من معهد القمر والكواكب) بتحديد موقع الصدمة المحتملة. والفوهة المسماة شيكسولوب Chicxulub محجوبة كليا برواسب تكوِّن شبه جزيرة يوكاتان، وقد اكتشفت لأول مرة عام 1981 من خلال عمليات المسح الثقالي gravity surveys وأعمال الحفر التي نفذتها پيمكس Pemex، وهي شركة البترول الوطنية في المكسيك. وقطر هذه الفوهة 300 كيلومتر وعمرها 65 مليون سنة.

 

يعتقد بعض العلماء أن هذه الانقراضات الجماعية ليست من الحوادث النادرة. إنما تحدث في الواقع على نحو دوري. وإثبات هذه الفرضية بالنظر إلى السمات الأرضية غير ممكن. وفضلا عن الارتياب في سجلات الحفريات، فإنه لم يتم تأريخ سوى عدد قليل جدا من الفوهات الارتطامية على سطح الأرض. ومن دون سجل تاريخي صحيح، فإن البحث عن الدورية هو أمر لا نفع فيه.

 

لكن سطح القمر قد يقدم الدليل، لأنه يعج بالفوهات التي تكونت خلال الستمئة مليون سنة السابقة. ويقدِّر <F. هورز> (من مركز جونسون الفضائي التابع لناسا) أن قطر 5000 فوهة منها يتجاوز خمسة كيلومتر. وحتى في منطقة قطرها 100 كيلومتر فقط، فهناك 500 فوهة أقطارها أكبر من كيلومتر واحد. لكن التحديد الدقيق لأعمارها يتطلب عينات منها.

 

في الحقيقة، إن توفير المعلومات المجهولة عن أصل الأرض وتاريخها المبكر يستلزم العودة إلى القمر. ويبدو أنه فيما يتعلق بالأصل فإن المسألة محلولة، لكن التفصيلات تبقى ناقصة. فوجود محيط الصهارة مازال يمثل مشكلة لم يتفق عليها جميع الباحثين. ويلزمنا تحديد التركيب الكلي للقمر، وهذا يمكن إنجازه بالمسح المطيافي ومن دراسة الزلازل على سطحه. ويمكن لعينات من مواقع مهمة على الهضاب القمرية أن تسمح لنا بحل العمليات نفسها التي كانت تجري داخل القسم المركزي من محيط الصهارة المعقد. ولا يمكن البتة معرفة تاريخ قصف القمر من دون عينات مأخوذة من مخلفات الاصطدام داخل الفوهات. فضلا عن ذلك، فليس من الضروري أن تكون تكلفة الرحلات الجديدة وتعقيداتها كما كانت الحال في أپولو. ويمكن لسفن آلية أن تقوم بهذه المهمة.

 

وبالطبع، فقد تقرر الولايات المتحدة وسائر العالم عدم القدرة على تحمل تكاليف إرسال أسطول من الرحلات إلى مدار القمر وسطحه. وفي هذه الحالة، لن نتمكن البتة من معرفة تفصيلات تاريخ تكوّن الأرض والقمر وتاريخ انصهارهما وقصفهما المبكرين. إن مواصلة دراسة التراث العلمي الذي أرست قواعده رحلات أپولو هي السبيل الوحيد الذي نعقد عليه الآمال في إكمال فهمنا لموقعنا في النظام الشمسي.


 المؤلف

G. Jeffrey Taylor

حصل على الدكتوراه في الجيولوجيا من جامعة رايس عام 1970، يعمل أستاذا في معهد هاواي للجيوفيزياء وعلم الكواكب التابع لمدرسة علوم المحيطات والأرض وتقاناتها بجامعة هاواي في مانوا بهونولولو، ويرأس مجموعة علم استكشاف القمر، وهي لجنة تقدم المشورة لناسا حول رحلات المستقبل إلى القمر. ومنذ عهد قريب غدا تيلر من العلماء الناشطين في دراسات ديناميات الجريانات اللابية على الأرض والقمر والمريخ والزهرة. وإيمانه بأن التعليم هو المسوِّغ الرئيسي لبرنامج فضائي مكين قاده إلى تطوير مواد تدريسية للصفوف المدرسية بدءا من الصف الرابع وحتى الصف الثاني عشر.


مراجع للاستزادة 

LUNAR SOURCE BOOK: A USER'S GUIDE TO THE MOON. Edited by Grant Heiken, David Vaniman and Bevan M. French. Cambridge University Press, 1991.

TO A ROCKY MOON: A GEOLOGIST'S HISTORY OF LUNAR EXPLORATION. Don E. Wilhelms. University of Arizona Press, 1993.

Scientific American, July 1994


(1) الطيّ: هو انضغاط تركيب مسطح في عملية تكوّن بُنيَ الطّيّات.

(2) التصدع: هو عمليات الكسر والإزاحة التي تُحدث الصدع. ويعني الصدع كسرا في الصخر ينزاح عليه سطحا الكتلتين المنفصلتين انزياحين مختلفين (التحرير)

 

HyperLink