Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink أكتوبر1997 / المجلد 13 HyperLink

  New Page 1

 

سكان العالم ودورة الآزوت

يتطلب إطعام الجنس البشري اليوم كثيرا من الأسمدة

ذات القاعدة الآزوتية لدرجة أن توزيع الآزوت على

الأرض تغير بطرائق مثيرة وأحيانا خطرة

<سْمِل .V>

 

ضاعفت البشرية عدد سكانها أربع مرات خلال القرن العشرين. ومع أن عوامل عدة عززت هذا التضخم الذي لم يسبق له مثيل، إلا أن استمراره خلال الجيل الماضي لم يكن ممكنا لولا فعالية واسعة الانتشار، مع أنها عموما لم تُقدَّر حق قدرها، ألا وهي تركيب الأمونيا. فتوافر الأمونيا الجاهزة والأسمدة الأخرى الغنية بالآزوت nitrogen والمشتقة منها، أنهى ما كان على مر العصور قيدا أساسيا على إنتاج الغذاء. ولدى سكان العالم اليوم ما يكفيهم من الطعام (بالمتوسط)بسبب التطورات العديدة في الممارسات الزراعية الحديثة. لكن المجتمع البشري يدين بهذه الوفرة لصناعة كيميائية رئيسية واحدة هي صناعة السماد الآزوتي.

 

إن الزراعة الكثيفة، كتلك التي تمارس في هذه الحقول الاسكتلندية، تعتمد على الإنتاج الصناعي للسماد الآزوتي، مستخدمة تقنية هُندست لأول مرة في هذا القرن. وحاليا، تطبق تلك العملية نفسها فيما لا حصر له من مصانع الأمونيا (الصورة المدرجة) الواقعة في جميع أنحاء العالم.

 

ما سبب أهمية الآزوت لهذه الدرجة؟ ومقارنة بالكربون والهيدروجين والأكسجين فإن الآزوت ما هو إلا عنصر ثانوي من مقومات المادة الحية. ولكن في الوقت الذي تتحرك فيه العناصر الرئيسية الثلاثة بيسر من مستودعاتها الطبيعية الهائلة عبر ما يستهلك الناس من طعام وشراب لتصبح جزءا من أنسجتهم، فإن الآزوت بصورة عامة يبقى محبوسا في الجو، ويوجد جزء ضئيل فقط من هذا المصدر على هيئة يمكن أن تمتصها النباتات والحيوانات وفي نهاية المطاف الكائنات البشرية المتنامية.

 

ومع ذلك فإن للآزوت أهمية حاسمة. فهذا العنصر ضروري من أجل جزيئات الدنا DNA والرنا RNA، وهي التي تخزن وتنقل المعلومات الوراثية. وهو ضروري أيضا من أجل صنع البروتينات، تلك المراسلات والمستقبلات receptors والحفازات catalysts والمكونات الهيكلية لجميع الخلايا النباتية والحيوانية. والبشر، مثل الحيوانات الراقية الأخرى، لا يستطيعون تركيب هذه الجزيئات باستخدام الآزوت الموجود في الهواء، وعليهم الحصول على المركبات الآزوتية من الطعام. ولا بديل هناك من المأخوذ من هذه المركبات، لأن هناك ضرورة لحد أدنى منها (يُلتهم على شكل بروتين حيواني أو نباتي) من أجل التغذية الصحيحة. إضافة إلى ذلك فإن اكتساب الآزوت من الجو لتغذية المحاصيل ليس أمرا سهلا.

 

ويمكن أن تُعزى الندرة النسبية للآزوت الصالح للاستعمال إلى التركيب الكيميائي الفريد لذلك العنصر. تمثل ذرات الآزوت الثنائية 78 في المئة من الغلاف الجوي، ولكنها مستقرة لدرجة لا يمكن معها أن تتحول إلى صورة تفاعلية تمكِّن النباتات من أخذها. ويستطيع البرق أن يشق هذه الجزيئات المتماسكة بقوة، غير أن معظم عملية تثبيت fixation الآزوت الطبيعي (شطر ذرات الآزوت الثنائية وما يترتب عليه من دمج العنصر في مركب الأمونيا المتفاعل كيميائيا)يتم عن طريق بكتيريا معينة. إن أهم البكتيريا المثبتة للآزوت هي من جنس الريزوبيم Rhizobium، وهي متعضيات متعايشة symbionts تشكل عقيدات على جذور النباتات البقولية، مثل الفاصولياء وأشجار الأكاسيا acasia. كما تقوم بكتيريا السيانوجين cyanobacteria (التي تعيش إما حرة أو بالاقتران بنباتات معينة)بتثبيت الآزوت، ولكن بدرجة أقل.

 

مشكلة قديمة العهد

إن السحوبات التي يسببها نمو المحاصيل، إضافة إلى خسارات طبيعية متنوعة تنزع، بصورة مستمرة، الآزوت المثبت في الأرض، تؤدي إلى نقص دائم في مخزون هذا العنصر. وكان السلوك النمطي للفلاحين التقليديين (الذين وُجدوا في المجتمعات قبل الصناعية)هو التعويض عن الآزوت المفقود أو المستهلَك في محاصيلهم بتخصيب حقولهم ببقايا غلاتهم أو بالفضلات الحيوانية أو الآدمية. ولكن هذه المواد تحتوي على تركيزات منخفضة من الآزوت، مما اضطر المزارعين إلى استعمال مقادير ضخمة منها لتوفير كمية كافية من الآزوت.

 

إن النمو المفاجئ في الاستهلاك العالمي للأسمدة الآزوتية خلال القرن العشرين واكبته زيادة موازية في عدد سكان العالم.

 

قام الفلاحون التقليديون أيضا بزراعة البازلاء والفاصولياء والعدس وبقول أخرى إلى جانب الحبوب وبعض المحاصيل الإضافية. وقد ساعدت البكتيريا المثبتة للآزوت والموجودة في جذور هذه النباتات على تخصيب الحقول بالآزوت. وكان المزارعون في بعض الحالات يزرعون البقول والخضراوات (أو كما في آسيا، سرخس الآزولا، الذي يؤوي بكتيريا السيانوجين)خصيصا من أجل التسميد الذي توفره مثل هذه المزروعات. ثم كانوا يحرثون هذه المحاصيل في التربة كأسمدة خضراء، كما كانت تدعى، من دون جني أي غذاء منها على الإطلاق. وكان هذا النوع من الزراعة العضوية في الجزء الأول من القرن العشرين أكثر ما يكون كثافة في أراضي جاوا (جزيرة بأندونيسيا)المنخفضة، وعبر دلتا النيل، وفي شمال غرب أوروبا (وخصوصا في مزارع هولندا)، وفي عدة مناطق من اليابان والصين.

 

ويمكن لعملية الجمع بين إعادة استخدام الفضلات البشرية والحيوانية وبين زراعة الأسمدة الخضراء أن توفر، مبدئيا، نحو 200 كيلوغرام من الآزوت لكل هكتار من الأراضي الزراعية. إن الكمية التي تتراوح ما بين 200 و 250 كيلوغراما من البروتين النباتي، التي يمكن إنتاجها بهذه الطريقة، وضعت الحد النظري للكثافة السكانية: باستطاعة هكتار من الأراضي الزراعية في أمكنة ذات تربة جيدة ورطوبة كافية ومناخ معتدل يتيح الزراعة على مدار السنة أن يعيل 15 شخصا.

 

وعلى أي حال فعلى أرض الواقع كانت كثافات السكان في الأمم المعتمدة على الزراعة العضوية أقل من ذلك بكثير، وباختلافات لا تذكر، كان المتوسط في الصين يتراوح ما بين خمسة وستة أشخاص لكل هكتار من المناطق الصالحة للزراعة في بدايات هذا القرن، وكانت كثافة السكان في اليابان خلال العقود الأخيرة من الزراعة العضوية المحضة (والتي حدثت في الفترة نفسها) أعلى من الصين بقليل، ولكن اعتماد اليابانيين على البروتين السمكي من البحر يعقِّد المقارنة بين هذين الشعبين. وكانت كثافة سكانية بمقدار نحو خمسة أفراد لكل هكتار شيئا نمطيا في مناطق الزراعة الخصبة في شمال غرب أوروبا خلال القرن التاسع عشر، حيث كان أولئك المزارعون يعوِّلون كلية على الطرق التقليدية.

 

لقد ازدادت كثافة السكان جوهريا في البلدان ذات الزراعة الكثيفة، فقط بعد أن شاع استخدام السماد الآزوتي.

 

كانت هناك عدة أسباب وراء بروز مقدار الخمسة أشخاص كحد واقعي لكل هكتار من الأراضي الزراعية، ومن بين هذه الأسباب الضغوطات البيئية (التي سببها قبل كل شيء الطقس القاسي والآفات الزراعية)والحاجة إلى إنماء محاصيل لا تستخدم للغذاء ـ كتلك التي توفر الأدوية أو الألياف، مثلا. ونشأت الصعوبة الأساسية عن دورة الآزوت المغلقة، وقد واجهت الزراعة التقليدية معضلة أساسية كانت شديدة بشكل خاص في بلدان مساحتها صغيرة ولا تملك مناطق غير مزروعة للرعي أو لتوسيع الزراعة. وفي هذه الأمكنة، كان السبيل الوحيد أمام المزارعين لكسر قيود دورة الآزوت المحلية وزيادة المحاصيل هي إنبات المزيد من الأسمدة الخضراء. وقد احتلت تلك الاستراتيجية الأولوية قبل زراعة محصول غذائي. وهكذا كان تعاقب الحبوب كسلعة رئيسية وبذور البقوليات الغذائية خيارا أكثر ملاءمة. ولكن حتى هذه الممارسة، المنتشرة كثيرا في الزراعة التقليدية، كانت لها حدودها. فللبقول غلة أقل، وهي غالبا عسيرة الهضم، وليس من اليسير أن تحول إلى خبز أو معكرونة. وعليه، فإن القليل من المحاصيل المزروعة باستخدام الطرائق القديمة جدا كان له في أي وقت مخزون كاف من الآزوت.

 

مكان خصب للعلم

ومع توسع معرفتهم بالكيمياء، بدأ علماء القرن التاسع عشر بإدراك الدور الحاسم للآزوت في إنتاج الطعام، كما أدركوا ندرة أشكاله الصالحة للاستعمال. وعرفوا أن العنصرين الغذائيين الأساسيين الآخرين ـ البوتاسيوم والفسفور ـ كانا يحدان من مقادير الغلات الزراعية بتكرار أقل بكثير، وأن معالجة أي نقص في هذين العنصرين كانت أيسر بكثير. وكان تعدين مستودعات البوتاس الطبيعية أمرا مباشرا للحصول على سماد البوتاسيوم، وتطلّب التسميد الفسفوري فقط إضافة الحمض إلى الصخور الغنية بالفوسفات لتحويلها إلى مركبات أكثر ذوبانية يمكن للجذور أن تأخذها عند امتصاصها للماء. ولم تكن هناك إجراءات بسيطة مشابهة متيسرة من أجل الآزوت، ومع أواخر التسعينات من القرن التاسع عشر كانت هناك مشاعر من الإلحاحية والقلق بين علماء الزراعة والكيميائيين الذين أدركوا أن الزراعة المركزة بشكل متزايد تواجه أزمة آزوت ظاهرة في الأفق.

 

تتخلل مركبات الآزوت المحيط الحيوي على الأرض. وإن أكثر صوره توافرا هي (N2)، وهي تؤلف 78 في المئة من الغلاف الجوي ومتماسكة بقوة لدرجة أنها لا تشارك في معظم التفاعلات الكيميائية. تحتاج النباتات إلى مركبات الآزوت التفاعلية، مثل الأمونيا (NH3)والبوله (CO(NH2)2)، وهما أكثر ندرة بكثير. (إن تقديرات الوفرة المبينة صحيحة في حدود عامل قدره 10). وتستخدم النباتات هذه المواد لصنع الأحماض الأمينية، وهي لبنات بناء البروتينات، التي تخدم وظائف لا تحصى في الخلايا الحية.

 

ونتيجة لذلك، فقد قام تقانيو ذلك العصر بعدة محاولات لاختراق حاجز الآزوت. وبسبب استخدام النترات اللاعضوية الذوابة (من الصخور الرسوبية في الصحاري التشيلية)وسماد الگوانو guano العضوي (من فضلات خلَّفتها طيور على جزر تشنشا chincha غير المطيرة في بيرو)حصل إنقاذ مؤقت لبعض المزارعين.

 

وكذلك فإن عملية استرجاع سلفات الأمونيا (النشادر)من الأفران المستخدمة لتحويل الفحم إلى فحم الكوك الفلزي metallurgical coke أسهمت في إضافة قصيرة الأمد إلى مخزون الآزوت الزراعي. وفي عام 1898 تم في ألمانيا تتجير عملية السياناميد ـ التي يتفاعل فيها فحم الكوك مع الجير والآزوت الصافي لإنتاج مركب يحتوي على الكالسيوم والكربون والآزوت ـ ولكن احتياجاتها من الطاقة كانت أكبر مما ينبغي من وجهة نظر عملية. إن إنتاج أكاسيد الآزوت عن طريق نفخ خليط العنصرين خلال شرارة كهربائية تطَلَّب طاقة استثنائية أيضا. وقد بدأت النرويج فقط، بسبب تمتعها بمصادر كهرباء رخيصة مولّدة من مساقط المياه، بصنع السماد الآزوتي بهذه العملية في عام 1903، ولكن الإنتاج الإجمالي ظل قليلا.

 

وقد حدث الاختراق الحقيقي باختراع تصنيع الأمونيا (النشادر). وبدأ <C. بوش> بتطوير هذه العملية عام 1899 في المؤسسة الكيميائية الكبرى في ألمانيا BASF. إلا أن <F. هابر> (من الجامعة التقنية في كارلسروه بألمانيا) هو الذي ابتكر خطة عملية لتصنيع الأمونيا من الآزوت والهيدروجين. فقد دمج هذين الغازين تحت ضغط يساوي 200 ضغط جوي وحرارة تساوي 500 درجة مئوية بوجود الحفازين: الأوزميوم الصلب واليورانيوم.

 

وقد سارت طريقة هابر بشكل جيد، ولكن تحويل هذا التفاعل من على منضدة المختبر إلى واقع هندسي كان مهمة هائلة. وأخيرا وجد بوش حلا لأكبر معضلة تصميم، تتمثل في تردي حالة حجرة التفاعل الفولاذية من الداخل تحت درجات الحرارة المرتفعة والضغط العالي. وأفضى عمله هذا مباشرة إلى أول مصنع تجاري للأمونيا في أُپو بألمانيا عام 1913. وسرعان ما تضاعفت سعة تصميمه لتصبح000 60طن سنويا ـ مما كان كافيا لجعل ألمانيا تكتفي ذاتيا من مركبات الآزوت التي استخدمتها لإنتاج المتفجرات خلال الحرب العالمية الأولى.

 

إن البكتيريا المثبتة للآزوت، وهي مكروبات تحول الآزوت الجوي إلى مركبات تفاعلية، تعيش في عقيدات جذور النباتات البقولية، مثل فاصولياء الصويا (a). وتوجد أيضا في سرخس الآزولا (b)وفي نباتات قصب السكر (c).

 

وقد أبطأت الصعوبات الاقتصادية التي سادت بين الحربين تتجير عملية هابر-بوش لتصنيع الأمونيا، وبقي الإنتاج العالمي من الأمونيا تحت مستوى خمسة ملايين طن حتى أواخر الأربعينات. وخلال الخمسينات، ارتفع استهلاك السماد الآزوتي تدريجيا إلى عشرة ملايين طن؛ وبعد ذلك خفَّضت الاختراعات التقنية التي قُدمت خلال الستينات استهلاك الكهرباء عند تصنيع الأمونيا بأكثر من 90 في المئة، وأدت إلى تسهيلات أكبر وأكثر اقتصادية في إنتاج الأمونيا. وبسبب النمو الأسي في الطلب الذي أعقب ذلك فإن الإنتاج العالمي لهذا المركب ازداد بمقدار ثمانية أضعاف في أواخر الثمانينات.

 

وقد رافق هذه الموجة تبدل سريع نسبيا في استهلاك الآزوت بين بلدان الدخل المرتفع والدخل المنخفض. فخلال أوائل الستينات كانت حصة البلدان الغنية أكثر من 90 في المئة من مجمل استهلاك الآزوت، ولكن بحلول عام 1980 انخفضت حصتها إلى ما دون 70 في المئة. ثم تعادلت البلدان المتطورة والبلدان النامية عام 1988. وحاليا، تستهلك البلدان النامية أكثر من 60 في المئة من الإنتاج العالمي من السماد الآزوتي.

 

إلى أي مدى أصبحت البشرية تعتمد على إنتاج السماد الآزوتي الصنعي؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال؛ لأن المعلومات مازالت غير دقيقة حول انتقال الآزوت داخل وخارج الحقول المزروعة في أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن تقييما دقيقا للمدخلات المتنوعة يشير إلى أن نحو 175 مليون طن من الآزوت تصب في أراضي العالم المنتجة للمحاصيل كل عام، وأن نحو نصف هذا المجموع يندمج في النباتات المزروعة. وتقدم الأسمدة الصنعية نحو 40 في المئة من مجمل الآزوت الذي تستنفده هذه المحاصيل. ولكون هذه المحاصيل تقدم ـ إما مباشرة كنباتات أو بطريقة غير مباشرة كعلف حيواني ـ نحو 75 في المئة من مجموع الآزوت في البروتينات التي يستهلكها البشر (يأتي الباقي من الأسماك واللحوم والمواد الغذائية اللبنية الناتجة من الرعي)، فإن نحو ثلث البروتين في غذاء البشر يعتمد على السماد الآزوتي الصنعي.

 

توجد عدة أصناف مختلفة من مستودعات الآزوت في مياه الأرض وتربتها وهوائها وغلافها البيولوجي. ويأخذ الآزوت أشكالا متنوعة أثناء حركته بين مواطن الاستراحة المؤقتة هذه. وإن حلول عهد إنتاج السماد على نطاق واسع يعدل من التدفق الطبيعي لهذه العناصر تعديلا هائلا، مخلا بتوازن دورة الآزوت بطرائق مقلقة ومزعجة أحيانا.

 

وإلى حد ما، فإن هذا الاكتشاف المثير تقدير مبالغ فيه لأهمية عملية هابر-بوش، فلم تكن هناك حاجة في أوروبا وأمريكا الشمالية إلى السماد الآزوتي لضمان البقاء أو حتى للتغذية الملائمة. وإن الاستخدام المركز للأسمدة الصنعية في هذه المناطق المتطورة جيدا ينتج من الرغبة في زراعة العلف لقطعان الماشية والدواجن لتلبية إيثار الناس الواسع الانتشار للأغذية الحيوانية العالية البروتين. وحتى لو انخفض متوسط كمية البروتين المستهلك في هذه المناطق إلى النصف تقريبا (بإقناع الناس بالإقلال من أكل اللحوم، مثلا)، فسوف يبقى الأمريكيون الشماليون والأوروبيون ينعمون بتغذية ملائمة.

 

تنشأ عملية الإيتروفيكيشن في المياه المحمَّلة بالآزوت؛ لأن الآزوت الزائد يحفز نمو الطحالب.

 

ومع ذلك فإن الحكم بأن ثلث البروتين المغذي للجنس البشري يعتمد على السماد الصنعي يبخس أيضا تقدير أهمية هذه المواد الكيميائية. إذ إن عددا من البلدان ذات الأراضي القليلة وكثافة السكان المرتفعة تعول على السماد الصنعي من أجل مجرد بقائها. وفي الوقت الذي يستنفد فيه الناس في هذه البلدان مساحات جديدة للزراعة، وفي الوقت الذي تصل فيه الممارسات الزراعية التقليدية إلى حدودها، فإن على هؤلاء الناس أن يلجؤوا إلى استخدام السماد الآزوتي أكثر من أي وقت مضى ـ حتى لو كانت أغذيتهم تحتوي على لحوم قليلة نسبيا. وتندرج في هذه الفئة كل أمة تنتج سنويا ما يزيد على100 كيلوغرام من البروتين لكل هكتار. ومن الأمثلة على ذلك الصين ومصر وإندونيسيا وبنغلادش والباكستان والفلبين.

 

الإفراط في استغلال شيء مفيد

إن لإدخال الآزوت التفاعلي بكميات ضخمة في التربة والمياه عدة عواقب ضارة بالبيئة. وتتراوح المشكلات من الصحة المحلية إلى التغيرات الشاملة العالمية، وتمتد، فعليا، من أعماق جوف الأرض إلى طبقات الجو العليا. ويمكن أن تسبب مستويات النترات العالية حالة ميثيموگلوبينميا methemoglobinemia (مرض «الوليد الأزرق»)في الأطفال، كما ارتبطت وبائيا ببعض أنواع السرطان. وقد استمر تسرب النترات العالية الذوبانية، التي يمكن أن تلوث كلا من المياه الجوفية والسطحية بصورة خطرة في الأمكنة الخاضعة لتسميد كثيف، في إزعاج المناطق الزراعية لنحو 30 عاما. وعادة ما يوجد تراكم خطر من النترات في مياه الآبار في حزام الذرة الأمريكي وفي المياه الجوفية في العديد من مناطق أوروبا الغربية. ولا تظهر تركيزات النترات، التي تتجاوز الحدود القانونية المقبولة عامة، في الجداول الصغرى العديدة التي تصرف فيها مياه الأراضي المزروعة فقط، ولكن أيضا في أنهار رئيسية مثل الميسيسيپي والراين.

 

المصير الغريب لفريتز هابر

مع أن فريتز هابر منح جائزة نوبل عام 1919 لإبداعه تركيب الأمونيا، إلا أنه عاش حياة مأساوية في جوهرها. وبصفته مديرا لمعهد القيصر ولهلم للكيمياء الفيزيائية، فقد طور استعمال غاز الكلور لخدمة الأركان العامة الألمانية. لقد اعتقد هابر أن هذا السلاح الرهيب سيساعد على إحراز نصر سريع وبذلك يحد من المعاناة العامة. إلا أن رأي الآخرين كان أكثر تشاؤما. فعشية استخدام الغاز لأول مرة ضد جنود الحلفاء، انتحرت زوجة هابر، من عذاب ضميرها لإسهام زوجها المروِّع في الحرب. وبعد الهدنة، اعتبر الحلفاء هابر مجرم حرب. ووهنت معنويات هابر، إلا أنه واصل أبحاثه. ولاحقا، وبسبب بروز معاداة السامية التي أوحت بها النازية في ألمانيا، فرّ هذا العالم اليهودي وأقام في إنكلترا. وقد توفي هابر عام 1934 في بازل بسويسرا.

نال فريتز هابر جائزة نوبل في الكمياء بعد أن صنف مجرم حرب

 

أحدثت الهجمات باستخدام الغازات في الحرب العالمية الأولى إصابات هائلة وشنيعة في صفوف الحلفاء

وغالبا ما يسبب السماد الآزوتي المتسرب إلى البرك والبحيرات أو خلجان المحيط، حالة إيتروفيكيشن eutrophication، أي إثراء المياه بعنصر غذائي ندر وجوده سابقا. ونتيجة لذلك، تستطيع الطحالب وبكتيريا السيانوجين أن تنمو بحرية، وعند تحللها، بعد ذلك، تستهلك الأكسجين الموجود في الماء ومن ثم تحرم منه المخلوقات الأخرى التي تعيش فيه وبالتالي فإن ذلك يقلل (أو يزيل)كميات السمك والقشريات. وتُلحِق ظاهرة الإيتروفيكيشن الكوارث بكتل مائية محملة بالآزوت مثل مضيق لونگ آيلاند في ولاية نيويورك وخليج سان فرانسيسكو بكاليفورنيا، وتبدِّل أحوال أجزاء كبيرة في بحر البلطيق. ويهدد فائض الأسمدة من حقول كوينسلاند أجزاء من حاجز الحَيْد البحري العظيم Great Barrier Reef في أستراليا بنمو مفرط في الطحالب.

 

وبينما تبرز مشكلات الإيتروفيكيشن لأن النترات الذائبة تستطيع أن تقطع مسافات كبيرة، فإن تراكم المركبات ذات القاعدة الآزوتية في الأرض هو أمر مزعج أيضا، لأنه يزيد حموضة العديد من التُّرَب الزراعية. (تتحمض الترب أيضا بمركبات الكبريت التي تنشأ عن الاحتراق ثم تترسب لاحقا خارج الجو). ولكون الناس لا يعادلون هذه النزعة بإضافة الكلس، فإن الحمض المفرط قد يؤدي إلى زيادة في فقدان العناصر الغذائية النادرة trace nutrients وإلى إطلاق الفلزات الثقيلة من الأرض لتتسرب إلى مخازن مياه الشرب.

 

إن السماد الزائد لا يفسد التربة والماء فحسب؛ فالاستخدام المتزايد لأسمدة الآزوت أطلق أيضا مزيدا من الأكسيد النتري nitrous oxide في الغلاف الجوي. وتركيز هذا الغاز، المتولد من تأثير البكتيريا في النترات داخل التربة، لايزال منخفضا نسبيا، ولكن هذا المركب يشارك في عمليتين مقلقتين. فتفاعلات الأكسيد النتري مع الأكسجين المُثار excited oxygen تسهم في تدمير الأوزون في الطبقة العليا من الغلاف الجوي (حيث تفيد هذه الجزيئات في حجب الأشعة فوق البنفسجية الضارة)؛ وفي الأسفل، في الطبقة السفلى من الغلاف الجوي، يعزز الأكسيد النتري الدفيئة المفرطة. ويتجاوز عمر الأكسيد النتري في الغلاف الجوي المئة عام، ويمتص كل جزيء من جزيئاته الإشعاع الخارج 200 مرة تقريبا أكثر مما يمتصه جزيء واحد من ثنائي أكسيد الكربون.

 

وهناك أيضا تغير جوي آخر مكروه يتفاقم بسبب الأكسيد النتري الذي تطلقه الميكروبات المؤثرة في السماد الآزوتي. إن هذا المركب (الذي ينتجه الاحتراق بكميات أكبر)يتفاعل بوجود ضوء الشمس مع ملوثات أخرى فينتج الضبخان(1) smog الكيميائي الضوئي. وفي حين يمكن لترسب مركبات الآزوت من الجو أن تكون له آثار تسميدية نافعة على بعض أراضي المراعي أو الغابات، فإن الجرعات الأعلى يمكن أن تُحمِّل الأنظمة البيئية الحساسة فوق طاقتها.

 

عندما شرع الناس في الاستفادة من الأسمدة الآزوتية الصنعية، لم يكونوا قادرين على التنبؤ بهذه الأضرار البيئية. وحتى الآن، فإن هذه الاضطرابات تلقى اهتماما ضئيلا بدرجة مدهشة، وبخاصة إذا ما قورنت بتراكم ثنائي أكسيد الكربون في الجو. ومع ذلك فإن استخدام الآزوت التفاعلي استعمالا كبيرا، مثله مثل ثنائي أكسيد الكربون من مواد الوقود الأحفوري، يعادل تجربة كيميائية-أرضية geochemical ضخمة وخطرة.

 

من التعود إلى الإدمان

إن انبعاث ثنائي أكسيد الكربون وما يرافقه من تهديد باحترار الكرة الأرضية، يمكن تخفيضه من خلال توليفة من الحلول الاقتصادية والتقنية. وفي الواقع، فإن تحولا عن استخدام الوقود الأحفوري لا بد أن يَحدُث في النهاية، حتى وبغض النظر عن دافع تجنب التغير المناخي العالمي، لأن هذه المصادر الناضبة ستزداد ندرة وباهظية في الثمن لا محالة. وحتى الآن، لا توجد وسيلة متاحة لإنماء المحاصيل ـ والأجساد البشرية ـ من دون الآزوت، ولا توجد بدائل متوقعة لتحل محل عملية تركيب هابر-بوش.

 

قد ينجح مهندسو الوراثة في نهاية الأمر في تكوين بكتيريا ريزوبيم التكافلية التي بإمكانها أن تزود الحبوب بالآزوت، أو في منح هذه الحبوب المقدرة على تثبيت الآزوت مباشرة. وسيكون هذان الحلان مثاليين، إلا أن أيا منهما لا يبدو وشيكا. ومن دونهما ، سترتفع درجة اعتماد البشر على السماد الآزوتي أكثر مما هي عليه لإطعام البلايين الإضافية من الناس الذين لم يولدوا بعد، قبل أن يستقر عدد سكان العالم في النهاية.

 

إن الاستقرار المبكر لعدد سكان العالم والتبني العالمي لحمية غذائية نباتية في معظمها يمكن أن يقلص الحاجة إلى الآزوت. ولكن أيا من هذين التطورين لا يبدو محتملا بشكل خاص. وأفضل أمل في تخفيض الزيادة في استخدام الآزوت يكمن في إيجاد سبل أكثر كفاءة لتسميد المحاصيل. ويمكن الحصول على نتائج رائعة عندما يتحكم المزارعون في كمية الآزوت المستخدم في التربة بأن يختاروا التوقيت الأمثل لإضافة الآزوت. ولكن ثمة نزعات مختلفة على نطاق عالمي يمكن أن تضيع أية زيادة في الكفاءة تجلبها هذه الطريقة. وبصورة خاصة، فإن إنتاج اللحوم آخذ في التزايد بشكل سريع في أمريكا اللاتينية وآسيا، ورغم ذلك ستتطلب هذه الزيادة سمادا آزوتيا أكثر، حيث إنه يلزم ما بين ثلاث وأربع وحدات بروتين علفي لإنتاج وحدة من البروتين الحيواني.

 

إن إدراك هذه الحقائق يسمح بتقدير أوضح لإمكانيات الزراعة العضوية. كما أن تناوب المحاصيل وإنبات البقول وصيانة التربة (مما يبقي على آزوت أكثر في التربة)وتدوير (إعادة استعمال)الفضلات العضوية، كلها تقنيات مرغوب في استخدامها. ومع ذلك فإن هذه التدابير لا تغني عن الحاجة إلى كثير من الآزوت في البلدان الغنية بالسكان الفقيرة بالأراضي. ولو حاول المزارعون كلهم العودة إلى الزراعة العضوية الصرفة لوجدوا بسرعة أن الممارسات التقليدية لا تستطيع إطعام السكان الحاليين. وببساطة، لا يوجد آزوت قابل للتدوير كاف لإنتاج غذاء لستة بلايين نسمة.

 

عندما منحت أكاديمية العلوم السويدية جائزة نوبل في الكيمياء لفريتز هابر عام 1919 ذكرت أنه أوجد «وسيلة بالغة الأهمية لتحسين معايير الزراعة ورفاهية الجنس البشري.»ويظهر الآن أنه حتى هذا النعت المتدفق عاطفية لا يوفيه حقه. فهناك حاليا بليونا إنسان على الأقل هم على قيد الحياة؛ لأن بروتينات أجسامهم مكونة من آزوت أتى ـ عن طريق الأغذية النباتية والحيوانية ـ من معمل يستخدم عملية هابر.

 

وباستثناء ما قد يحدث من تقدم مفاجئ في الهندسة الحيوية، فإن كل البروتين، عمليا، اللازم لنمو بليونين آخرين من الناس الذين سيولدون خلال الجيلين التاليين سيأتي من المصدر نفسه ـ طريقة هابر-بوش لتركيب الأمونيا. وخلال جيل واحد فقط، تكوّن لدى البشر اعتماد كبير على الكيمياء.

 


 المؤلف

Vaclav Smil

درس ڤاكلاڤ سْمِل في جامعة كارولينم ببراغ في الجمهورية التشيكية وفي جامعة ولاية بنسلڤانيا. وهو الآن أستاذ في قسم الجغرافيا بجامعة مانتوبا في كندا. وتشمل أبحاث سْمِل، التي تتخلل بضعة فروع من المعرفة، البيئة والطاقة والغذاء والسكان والقوى الاقتصادية والسياسة العامة.

 


مراجع للاستزادة 

POPULATION GROWTH AND NITROGEN: AN EXPLORATION OF A CRITICAL EXISTENTIAL LINK. Vaclav Smil in Population and Development Review, Vol. 17, No. 4, pages 569-601; December 1991.

NITROGEN FIXATION: ANTHROPOGENIC ENHANCEMENT-ENVIRONMENTAL RESPONSE. James N. Galloway, William H. Schlesinger, Hiram Levy II, Anthony Michaels and Jerald L. Schnoor in Global Biogeocbemical Cycles, Vol. 9, No. 2, pages 235-252; June 1995.

NITROGEN POLLUTION IN THE EUROPEAN UNION: ORIGINS AND PROPOSED SOLUTIONS. Ester van der Voet, Rene Kleijn and Udo de Haes in Environmental Conservation, Vol. 23, No. 2, pages 120-132;1996.

CYCLES OF LIFE: CIVILIZATION AND THE BIOSPHERE. Vaclav Smll. Scientific American Library, W H. Freeman and Company, 1997.

Scientific American, July 1997

 


(1) مزيج من ضباب ودخان. (التحرير)

 

HyperLink