Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink مارس1997 / المجلد 13 HyperLink

  New Page 1

 

الدوتريوم(1) البدائي والانفجار الأعظم

تكوّنت نوى هذا النظير لعنصر الهيدروجين في اللحظات الأولى من

الانفجار الأعظم. وتقدِّم لنا حقيقة غزارة هذه النوى مفاتيح لحل الألغاز

التي تكتنف نشوء الكون وتطوره وطبيعة المادة المظلمة(2) الكونية.

<J .C. هوگان>

 

جمع مقراب كيك (في اليمين)، المقام على جبل ماونا كيا Mouna Kea في هاواي، ضوءا من كويزر بعيد وركزه في مكشاف ضوئي لمطياف ذي مقدرة ميز (فصل) عالية. والشرائط اللونية الناتجة (في الأعلى) معلّمة بخطوط مظلمة حيث قامت غازات معترضة بامتصاص ضوء ذي أطوال موجية معينة. ويمكّن تحليلُ أنماطِ الخطّ المميّز لغاز الهيدروجين من كشف وجود نظير ثقيلٍ لعنصر الدوتريوم.

 

إن نموذج الانفجار الأعظم الذي نجم عنه نشوء الكون غاية في البساطة، ذلك أن بنيته لا تتجاوز، بأي نوع من المقاييس، حجم جسيم أولي واحد. ومع أن السلوك الذي يتنبأ به هذا النموذج لا تحكمه سوى نظرية النسبية العامة والنموذج العياري Standard Model لفيزياء الجسيمات الأولية وقواعد توزع الطاقة في الترموديناميك، فإنه يبدو قادرا على وصف الكرة النارية البدائية وصفا قريبا من الكمال.

 

وتزودنا النوى الذرية التي تكونت خلال الثواني والدقائق الأولى التي أعقبت الانفجار الأعظم بمفاتيح إضافية لحل لغز الحوادث التي جرت في بداية نشوء الكون، ولكشف النقاب عن تركيب الكون وبنيته في أيامنا هذه. لقد خلّف الانفجار الأعظم كونا مؤلفا تقريبا من الهيدروجين والهيليوم. أما الدوتريوم، وهو النظير الثقيل للهيدروجين، فلم يتكون إلا في بداية نشوء الكون، ومن ثَم فإنه يصلح لأن يكون مَعْلَمًا بارزا يُستدل به على حقيقة ما جرى حينذاك. وتتوقف نسبة ذرات الدوتريوم إلى ذرات الهيدروجين العادي على كل من انتظام توزع المادة والمقدار الكلي للمادة التي تكونت نتيجة للانفجار الأعظم. وقد تمكن الفلكيون خلال السنوات القليلة الماضية، ولأول مرة، من إجراء قياسات مباشرة ودقيقة للدوتريوم في السُّحُبِ الغازية القديمة. وتبشر النتائج التي استخلصوها بتزويدنا باختبار دقيق لنظرية نشوء الكون وفقا للانفجار الأعظم.

 

يبدو أن تمدد الكون كان قد بدأ منذ ما بين 10 بلايين و 20 بليون سنة. كانت الأشياء جميعا إذ ذاك قريبة جدا بعضها من بعض كما كانت أكثف وأشد حرارة مما هي عليه الآن. وعندما كان عمر الكون ثانية واحدة فقط، كانت حرارته تتجاوز 10 بلايين درجة، وهذا يعني أن سخونة الكون حينذاك كانت تفوق السخونة الحالية لمركز الشمس 1000 مرة. وفي درجة الحرارة تلك لم تكن الفروق بين الأنواع المختلفة من المادة وبين الطاقة جلية كما هي عليه في الظروف الحالية : فالجسيمات دون الذرية(3) subatomic particles مثل النيوترونات والبروتونات كان يتحول أحدها إلى الآخر باستمرار، كما كانت «تُطهَى» نتيجة للتفاعلات مع النيوترينوهات والبوزيترونات والإلكترونات الغزيرة ذات الطاقة العالية. وتجدر الإشارة إلى أن النيوترونات أثقل قليلا من البروتونات. وفيما كانت هذه الأشياء تبرد اتخذت معظم المادة شكل البروتونات التي هي الأكثر استقرارا. ونتيجة لذلك فعندما انخفضت درجة الحرارة دون 10 بلايين درجة وتوقف تحول الجسيمات فيما بينها من نوع لآخر، كان عدد البروتونات يفوق عدد النيوترونات بنحو سبع مرات.

 

خارج الفرن البدائي

حين كان عمر الكون بضع دقائق (وكانت درجة حرارته قرابة بليون درجة) بدأت حرارة البروتونات والنيوترونات بالانخفاض إلى المستوى الذي سمح لها بالالتصاق بعضها ببعض لتكوِّن نوى. وقد وجد كل نيوترون شريكا له بين البروتونات مما ولّد زوجا يسمى دوترون deutron. وكان أن التصقت جميع الدوترونات تقريبا بعضها ببعض بعد ذلك لتكوّن نوى الهيليوم التي يحوي كل منها بروتونين ونيوترونين. وبحلول الوقت الذي اكتمل فيه تكوّن الهيليوم، كانت كثافة الكون أقل من أن تسمح بمزيد من الالتحام لتكون عناصر أثقل في الوقت المتاح، ومن ثم فقد اندمجت معظم النيوترونات تقريبا في الهيليوم.

 

ومن دون النيوترونات لا يمكن للبروتونات أن تندمج معا في النوى بسبب تنافرها الكهربائي. ونظرا إلى القدْر المحدود من النيوترونات الموجودة في الكرة النارية البدائية، فلا بد أن تبقى ستة من كل سبعة بروتونات على شكل نوى هيدروجينية معزولة. ومن ثَمّ فإن نموذج الانفجار الأعظم يتنبأ بأن زهاء ربع كتلة المادة المألوفة في الكون مكون من الهيليوم وأن الأرباع الثلاثة الباقية مكوّنة من الهيدروجين، ويتفق هذا التنبؤ البسيط مع الأرصاد اتفاقا جيدا للغاية. ولمّا كان الهيدروجين هو الوقود الأساسي لنجوم الكون، فإن هيمنته على ما سواه هي السبب الأساسي لانبعاث أضواء الشمس والنجوم.

 

وخلال تكوّن نوى الهيليوم، ربما لم يبق سوى جزء من 10000 من الدوتريوم دون اقتران. وثمة نسبة من الدوتريوم أقل من هذه التحمت بنوى أثقل من الهيليوم، مثل الليثيوم. (أما جميع العناصر المألوفة الأخرى، كالكربون والأكسجين، فقد تكوّنت في مرحلة متأخرة جدا داخل النجوم.) هذا ولا تتوقف النسب المئوية الدقيقة للهيليوم والدوتريوم والليثيوم إلا على وسيط (بارامتر) واحد فقط، ألا وهو النسبة بين البروتونات والنيوترونات ـ وهي جسيمات يُطلق عليها معا اسم باريونات baryons ـ وبين الفوتونات. إن قيمة هذه النسبة، التي يُرمز إليها بالحرف اليوناني η (إِيتَا)، تبقى ثابتة تقريبا فيما يتمدد الكون. ولما كان بمقدورنا قياس عدد الفوتونات، فإن معرفة η تدلنا على مقدار المادة الموجودة. وتكمن أهمية هذا العدد في أنه ييسر لنا فهم التطور التالي للكون، لأنه يمكننا من مقارنته بالكمية الفعلية للمادة التي تُرى في النجوم والغاز الموجود في المجرات، وأيضا بالكميات الضخمة من المادة المظلمة غير المرئية.

 

وكي يتمكن الانفجار الأعظم من توليد الخليط المرصود من العناصر الخفيفة، فمن الضروري أن تكون η صغيرة جدا. ويحوي الكون أقل من باريون واحد مقابل كل بليون فوتون. وتمكننا معرفة درجة حرارة إشعاع الخلفية الكوني من أن نتعرّف مباشرة عددَ الفوتونات التي تخلفت عن الانفجار الأعظم. ويوجد حاليا نحو 411 فوتونا في كل سنتيمتر مكعب من الفضاء، ومن ثَمَّ فإن كثافة الباريونات يجب أن تكون أقل قليلا من 0.4 في المتر المكعب. ومع أن علماء الكونيات (الكوسمولوجيين) يعلمون أن η صغيرة فإن تقديرات قيمتها الدقيقة تختلف حاليا فيما بينها بعامل يساوي 10 تقريبا. بيد أن أفضل المؤشرات دقة ووثوقية على قيمة η هي تراكيز العناصر الخفيفة البدائية وبخاصة الدوتريوم. وتجدر الإشارة إلى أن زيادةً في قيمة η خمس مرات، مثلا، تؤدي إلى نقصان خطير قدره 13 مرة في مقدار الدوتريوم المتكوِّن.

 

إن تحديد التركيب المبكر للكون أمر معقد، ذلك أنّ قدْرا كبيرا جدا من المادة انتقل إلى داخل النجوم. ومع ذلك فالإشعاع المنبعث من الكويزرات التي تبعد عنا عدة بلايين من السنين الضوئية، والتي تقع على حافة الكون المرصود، يوفّر لنا وسيلة لدراسة هذا التركيب. ومنذ عهد بعيد سار هذا الضوء عبر سحب مكونة من غاز بدائي نقي إلى حدّ ما. ومن المحتمل أن يكون ذلك في البقاع المجاورة لمجرة في طور التكوين (ويظهر في اليسار نموذج حاسوبي لسحابة من غاز بدائي). ويعمل الهيدروجين والدوتريوم في مثل هذه السحب على إبعاد الأطوال الموجية المميزة لهذا الضوء، ومن الممكن كشف هذه التغيرات وقياسها على الأرض.

 

إن مجرد وجود الدوتريوم يفرض حدا أعلى على قيمة η؛ لأن الانفجار الأعظم ربما كان المصدر الرئيسي للدوتريوم في الكون، ومن شأن العمليات اللاحقة في النجوم أن تقوم بتدميره تدريجيا. ويمكن للمرء أن يظن بأن الدوتريوم هو نوع من الوقود الذي استهلك جزئيا، كالفحم الحجري، وأن بقاءه حتى الآن يعود إلى عدم توافر الوقت اللازم لاحتراقه كليا وتحوله إلى رماد قبل أن تبرد النار. هذا وإن التخليق النووي nucleosynthesis خلال الانفجار الأعظم لم يدم سوى بضع دقائق، في حين أن الاحتراق النووي في النجوم يدوم ملايين أو بلايين السنين، ويترتب على هذا تحوُّل أي مقادير من الدوتريوم هناك إلى هيليوم أو عناصر أثقل. ومن ثَم فإن كل الدوتريوم الذي نعثر عليه يجب أن يكون من مخلفات الانفجار الأعظم ـ حتى الجزيء الوحيد الموجود في 10000 جزيء من مياه البحار التي تحوي ذرة دوتريوم بدلا من ذرة هيدروجين.

 

الكويزرات والسحب الغازية

إن تحديد النسبة البدائية بين الدوتريوم والهيدروجين العادي يوفر معلومات مهمة، إلا أن هذا ليس بالأمر اليسير لأن الكون ليس بالبساطة التي كان عليها سابقا. وبمقدور الفلكيين قياس الدوتريوم في سحب الغاز الهيدروجيني الذري بين نجوم مجرتنا، لكن ضَعْفَ هذا العنصر يجعل النتائج مشكوكا فيها. فنحن نعيش في مجرة ملوثة مشتتة بلغت منتصف عمرها وخضعت غازاتها لقدْر كبير من العمليات الكيميائية طوال تاريخها الذي بدأ منذ نحو 10 بلايين سنة. هذا وإن الدوتريوم يدمَّر بسهولة وسرعة في النجوم، حتى في طبقاتها الخارجية وفي المراحل المبكرة من تطورها قبل النجمي. وتقوم النجوم بقذف غُلُفها حين يحضرها الموت، كما أن الغاز الموجود كان قد دخل إلى نجوم وغادرها مرات عديدة. ومن ثَمّ فان تفحص السحب الغازية القريبة لا يشير إلا إلى حد أدنى لمقادير الدوتريوم البدائي.

 

بدأ التخليق النووي nucleosynthesis، أي تكوّن النوى الذرية، بعد الانفجار الأعظم بلحظات فيما كان الكون يتبرد وكانت الجسيمات الأساسية التي تسمى الكواركات quarks الطليقة (a) تتكثف في بروتونات ونيوترونات (b). وقد تجمعت البروتونات (الحمراء) والنيوترونات (الزرقاء) في أزواج لتكون الدوترونات deuterons، إلا أنه لما كان عدد البروتونات يفوق عدد الدوترونات فقد بقيت معظم البروتونات وحيدة وأصبحت نوى هيدروجين (c). وتتحد معظم الدوترونات تقريبا بدورها لتكوّن نوى الهيليوم (d)، تاركة مخلَّفات دقيقة يجري الكشف عنها حاليا.

 

لقد كان من الأفضل كثيرا لو أن إحدى السحب احتفظت ببعض المادة البدائية النقية التي لم يطرأ عليها البتة أي تحولات كيميائية. ومع أننا غير قادرين على جلب مثل هذه المادة إلى المختبر، فإنه يمكننا تفحّص تركيبها انطلاقا من تأثيرها في طيف الضوء الوارد من مصادر بعيدة. إن الكويزرات الساطعة، وهي أكثر الأجسام إضاءة في الكون، هي من البعد بحيث إن ضوءها الذي نراه الآن كان قد غادرها حين كان حجم الكون بين سدس وربع حجمه الحالي، كما أن عمر الكون حينذاك ربما كان عُشْرَ عمره الحالي. وخلال اتجاه الضوء الصادر عن هذه الكويزرات نحونا، فإنه يمر عبر سحب غازية لم تكن قد تكثفت بعد على شكل مجرات ناضجة، كما أن الضوء الذي امتُص من قِبَلِ هذه السحب أماط اللثام عن تركيبها. وتحوي بعض السحب التي تم فحصها أقل من جزء في الألف من نسبة الكربون والسيليكون (الناتجين من الالتحام النجمي) الموجودة في الفضاء القريب منا، وهذه إشارة جيدة إلى أن بعض السحب تحتفظ بتركيب قريب جدا من ذاك الذي كان لها عقب الانفجار الأعظم مباشرة.

 

وثمة فائدة أخرى من النظر إلى مسافات بعيدة. فالمركّبة الأساسية لهذه السحب، ألا وهي الهيدروجين الذري، تمتص الضوء عند فئة محددة تماما من الأطوال الموجية فوق البنفسجية تعرف باسم متسلسلة ليمان Lyman series. ويناظر كل من خطوط الامتصاص هذه (التي تسمى هكذا بسبب الخط المظلم الذي تخلِّفه في الطيف) الطولَ الموجيَّ لفوتون طاقته تكفي بالضبط لإثارة الإلكترون الموجود في ذرة الهيدروجين ليبلغ مستوى طاقة محددا. ولهذه الخطوط ألوان موجودة ضمن الطيف فوق البنفسجي ولا يمكن رؤيتها عادة من الأرض بسبب امتصاص الجو لها، وحتى أشد الخطوط احمرارا (وأكثرها جلاء)، وهو خط ألفا ليمان Lyman alpha، يظهر بطول موجي قدره 1215 أنگستروم. ولحسن الحظ، فإن تمدّد الكون يسفر عن «انزياح أحمر كوني» cosmological redshift يزيد من أطوال موجات الفوتونات التي تصل إلى الأرض إلى الحد الذي يجعل خطوط امتصاص الهيدروجين من السحب الغازية البعيدة بعدا كافيا تستقر في المجال المرئي.

 

يمكن للمطياف الموصول بمقراب كيك الذي يبلغ قطر عدسته 10 أمتار أن يميز 30000 لون مختلف. وينشرُ الضوءَ حاجزانِ مشبكان يقومان مقام منشورين. وتقوم مركّبات إضافية بتركيز الحزمة على رقاقة من السيليكون مساحتها بضعة سنتيمترات مربعة بغية الحصول على صورة مثل تلك الواردة في الصفحة 51 وتحوي الرقاقة أربعة ملايين من المكشافات الضوئية طول ضلع كل منها لا يتجاوز 20 مكرونا.

 

يَظهر خط ألفا ليمان في الضوء الصادر عن كويزر نموذجي مئات المرات، كل مرة من سحابة مختلفة على طول خط البصر بانزياح أحمر مختلف، ومن ثَمّ عند طول موجي مختلف. والطيف الناتج هو شريحة من تاريخ الكون مثله في ذلك مثل عينة من حلقات جذع شجرة أو قلب ثلجي في گرينلاند، وتسجل أطياف امتصاص الكويزرات هذه تاريخ تحول الغاز المنتظم في بدايات الانفجار الأعظم، إلى المجرات المنفصلة التي نشاهدها حاليا على امتداد رقعة واسعة من الفضاء. وتوفر هذه التعددية للأطياف طريقة أخرى لفحص السماء البدائية للمادة الماصة. ويتنبأ نموذج الانفجار الأعظم بأنه لا بد من أن يكون لجميع السحب الغازية التي نشأت في بدايات الكون تركيب واحد تقريبا. وقياس غزارات السحب المختلفة التي تبعد مسافات شاسعة عنا وعن بعضها بعضا في كل من الزمان والمكان هو اختبار مباشر لانتظام الكون واتساقه.

 

ويمكننا في بعض هذه السحب أن نحدد، انطلاقا من أطياف الكويزرات، كمية ما تحويه من الهيدروجين العادي، وكذلك مقدار ما هو موجود فيها من الدوتريوم. وبمقدورنا أيضا فصل الإشارة الواردة من الدوتريوم لأن الكتلة المضافة في نواة الدوتريوم تزيد من الطاقة اللازمة للانتقالات الذرية بنحو جزء واحد من 4000 (وهذا ضعف النسبة بين كتلة البروتون وكتلة الإلكترون). ويترتب على هذا أن يكون طيف امتصاص الدوتريوم شبيها بطيف امتصاص الهيدروجين الوحيد النكليون nucleon، إلا أن جميع الخطوط تُظهر انزياحا نحو الطرف الأزرق من الطيف يعادل الانزياح الناشئ عن حركة تتم بسرعة 82 كيلومترا في الثانية في اتجاه الراصد. ولدى إجراء قياسات مطيافية لسحابة هيدروجينية، فإن الدوتريوم يسجَّل «كصدى» للهيدروجين باهت ومنزاح نحو الأزرق.

 

وتسجِّل هذه الألياف أيضا توزع درجات حرارة الذرات وسرعاتها، إن الذرات التي تنطلق بسرعات مختلفة تمتص الضوء بأطوال موجية تختلف اختلافا ضئيلا فيما بينها بسبب تأثير (مفعول) دوپلر الذي يغير طول الموجة الظاهري للضوء وفقا لحركة المرسِل بالنسبة للمستقبِل. وتقوم الهيجانات الحرارية العشوائية بدفع ذرات الهيدروجين لتنطلق بسرعات تقدر بنحو 10 كيلومترات في الثانية، وهذا يسبب انزياحا في الطول الموجي يعادل جزءا واحدا من 000 30 ولمّا كانت ذرات الدوتريوم أثقل مرتين من ذرات الهيدروجين، فإن سرعتها في درجة الحرارة نفسها تساوي نحو سبعة كيلومترات في الثانية فقط، ومن ثَم فإن توزع سرعاتها يختلف قليلا. ويمكن لمطياف حديث أن يحلل هذه الفروق في السرعات الحرارية، وكذلك الجريانات الجماعية الأوسع نطاقا.

 

الكويزر 813 + 0014 هو أحد أكثر الأجرام الموجودة في الكون سطوعا، والتُقطت صورته المبيّنة بوساطة مقراب راديوي. إن الضوء الصادر عن هذا الثقب الأسود، المفرط في الضخامة والواقع في مركز مجرة فتية جدا قرب حافة الكون المرصود، زودنا بأول قياسات للدوتريوم البدائي.

 

انتظار الضوء

ومع أن المطاييف spectrographs قادرة بسهولة على تحليل الفروق في الأطوال الموجية بين الهيدروجين العادي والدوتريوم، فإن تحليل ضوء كويزر بعيد إلى 30000 لون يخلّف شدة ضيائية ضعيفة جدا لكل لون. وقد ثبت أن هذه الأرصاد، التي أُجريت على مدى 20 عاما، كانت صعبة جدا؛ إذ قضى العديد منا الليالي الطوال في انتظار فوتونات يسقط أحدها تلو الآخر على مكشافات أضخم المقاريب، بيْد أن الطقس ومشكلات أجهزة الرصد، وأخيرا ضيق الوقت، كلّ هذا حال بيننا وبين تجميع قدْر كاف من الضوء يمكّننا من بلوغ نتيجة مقنعة. وما يجعل هذه التقنية عملية حاليا وجود المكشافات المحسَّنة المتسمة بمزيد من الفعالية، وكذلك وجود مقراب كيك Keck في هاواي الذي يبلغ قطر عدسته 10 أمتار، والمطاييف المتقدمة ذات المَيْز العالي high-resolution مثل المطياف Keck HIRES.

 

وبعد العديد من المحاولات، التي لم تُكلَّل بالنجاح والتي أجريناها بالاستعانة بمقاريب أصغر، خصص زميلاي <A. سونكيلا> و <L .L. كُوِوي> (من جامعة هاواي) لهذا المشروع أول ليلة علمية جامعية مُنحت لهما للعمل على مقراب كيك، وكان ذلك في الشهر11 /1993. وقد وجّها المقراب شطر الكويزر الذي يشار إليه بالرمز 813+0014 ، والذي يحظى بشهرة واسعة بين الفلكيين بسبب سطوعه الجيد ـ وفعلا فقد كان هذا الكويزر طوال عدة سنين أشد الأجرام المنفردة المعروفة سطوعا في الكون. وانطلاقا من بحوث سابقة أجراها<J .R. ويمان>، من مراصد معهد كارنيگي في واشنطن، و <F. شافّي> و <B .C. فولتز> و <J. بتشتولد>، من جامعة أريزونا ومعاونوهم، فقد توصلنا إلى أنه يوجد في جبهة هذا الكويزر سحابة غازية بدائية إلى حد ما.

 

لقد كان الطيف الأول الذي تم الحصول عليه بوساطة مقراب كيك، والذي لم يستغرق إنجازه سوى بضع ساعات، عالي الجودة لدرجة أنه أبدى علامات جديرة بالقبول على وجود دوتريوم كوني. وبيّن ذلك الطيف نموذج الامتصاص لغاز الهيدروجين الذي يتحرك بسرعات مختلفة، كما أظهر صدى تاما تقريبا لخط ألفا ليمان بالانزياح الأزرق المميِّز للدوتريوم.

 

ومقدار الامتصاص في هذه الإشارة الثانية ناشئ عن قُرَابة ذرتي دوتريوم لكل 10000 ذرة هيدروجين. وقد عُزِّزت هذه النتيجة منذ ذلك الحين تعزيزا مستقلا من قبل <F .R. كارسويل>، من جامعة كامبردج، وزملائه الذين استعانوا ببيانات من مقراب مييول Mayall الذي يبلغ قطر عدسته أربعة أمتار والمقام في مرصد كيت پيك Kitt Peak الوطني بأريزونا. وقد أماط تحليل لاحق اللثام عن أن امتصاص الدوتريوم يكشف عن امتداد حراري ضيق جدا للسرعات كما هو متوقع.

 

ومن المحتمل أن يكون بعضُ الامتصاص الذي رأيناه ناجما عن تدخل سحابة هيدروجينية صغيرة اتفق أن كانت تتراجع عنا بسرعة تقل 82 كيلومترا في الثانية عن سرعة السحابة الرئيسية التي رصدناها. وفي هذه الحالة، تكون غزارة الدوتريوم أقل مما نظن. ومع أن احتمال هذه المصادفة الافتراضية في أول محاولة ضعيف، فإنه يتحتم علينا اعتبار هذا التقدير تقديرا أوليا. ومهما يكن من أمر، فإن فاعلية هذه التقنية واضحة، فَسُحُبُ الامتصاص الكائنة في مقدمة كويزرات كثيرة أخرى يمكن دراستها بالتقانة الجديدة، وسنحصل سريعا على نمذجة إحصائية للدوتريوم في المادة البدائية. ولقد نشرت مجموعتنا وآخرون غيرنا قياسات وحدود ثماني سحب مختلفة.

 

إن إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام هي القياسات التي أجراها <D. تايلر> و <S. پيرلز>، من جامعة كاليفورنيا في سان دييگو، و <X-M. فان> من جامعة كولومبيا. فقد كانت تقديراتهم عُشر تقديراتنا تقريبا. ويتعين علينا الانتظار لمعرفة ما إذا كانت نتيجتهم تمثل القيمة البدائية الفعلية. وقد تكون الغزارة الدنيا نتيجة لاحتراق الدوتريوم في النجوم الأولى أو علامة على أن إنتاج الدوتريوم ربما لم يكن بالانتظام الذي يتنبأ به الانفجار الأعظم.

 

حلول لغز المادة المظلمة

إنْ كانت القيمة العالية التي استخلصناها صحيحة، فإن مقدار الدوتريوم البدائي سيكون متفقا للغاية مع ما يتوقع من نموذج الانفجار الأعظم لقيمة η، وهو نحو ياريونَيْن لكل 10 بلايين فوتون. وهذه القيمة تجعل توقعات نموذج الانفجار الأعظم متفقة أيضا مع كميات الليثيوم في أقدم النجوم ومع تقديرات الهيليوم البدائي الذي يُرى في المجرات القريبة الفقيرة بالمعادن. وسيكون تأكيد هذه النتيجة خبرا رائعا لا يكاد يصدق، إذ إن من شأنه تأكيد أن علماء الكونيات يفهمون ما حدث بعد ثانية واحدة فقط من بداية تمدد الكون. إضافة إلى ذلك، فإنها تشير إلى أن تاريخ المادة التي تفصلنا عنها مسافات شاسعة مماثل لتاريخ المادة القريبة منا، الأمر الذي يفترضه أبسط نموذج ممكن للكون.

 

ويتفق هذا التقدير للعدد η اتفاقا جيدا مع عدد الباريونات التي نراها فعلا في الكون هذه الأيام. ويترتب على الكثافة المرصودة للفوتونات وجود ذرة واحدة تقريبا في كل 10 سنتيمترات مكعبة من الفضاء. وهذا هو تقريبا العدد نفسه للذرات التي أُحصيت مباشرة لدى تجميع كل المادة الموجودة فيما هو معروف من النجوم والكواكب والغاز والغبار، بما فيها ممتصات الكويزرات نفسها؛ وفي الواقع فإنه لا يوجد مستودع ضخم من الباريونات غير المرئية. وفي الوقت نفسه، فإن الأرصاد توحي بضرورة توافر مقدار ضخم من المادة المظلمة لتفسير السلوك التثاقلي للمجرات وهالاتها ـ وهذا المقدار يجب ألا يقل عن 10 أمثال الكثافة الوسطية للباريونات المرئية. وهكذا فإن الغزارة العالية للدوتريوم تشير إلى أن هذه الكتلة ليست مكوّنة من مادة ذرية عادية.

 

وقد اقترح علماء الكونيات (الكوسمولوجيون) عدة فرضيات للأشكال غير الباريونية للمادة المظلمة. وعلى سبيل المثال، فإن نموذج الانفجار الأعظم يتنبأ بأن الكون يحوي تقريبا من النيوترينوهات بقدر ما فيه من الفوتونات. وإذا كان لكل منها كتلة هي من الصغر بحيث تعادل بضعة أجزاء من البليون من كتلة البروتون (وهذا يعادل بضع وحدات من الإلكترون ڤلط)، فإن النيوترينوهات تُسهم في الكون بكتلة تعادل تقريبا كتلة الباريونات مجتمعة. ويُحتمل أيضا أن يكون الكون وَلَّدَ نوعا من الجسيمات المتخلفة لم نتمكن من إنتاجها في المختبرات. ومهما يكن من أمر فَمَا من ريب في أن نموذج الانفجار الأعظم الذي عززته الأرصاد يوفر أساسا مكينا للتنبؤ بالنتائج الفيزيائية الفلكية لمثل هذه الأفكار الفيزيائية الجديدة.

 


 المؤلف

Craig J. Hogan

متخصص بدراسة حافة الكون المرئي. يعمل رئيسا لقسم الفلك وأستاذا في قسمي الفيزياء والفلك بجامعة واشنطن. ترعرع هوگان في لوس أنجلس وحصل على الإجازة الجامعية من جامعة هارڤارد عام 1976 والدكتوراه من جامعة كامبردج عام 1980. عمل بعد ذلك في بحوث ما بعد الدكتوراه بجامعة شيكاغو ومعهد كاليفورنيا للتقانة، ثم التحق بالهيئة العلمية لمرصد ستيوارد التابع لجامعة أريزونا حيث عمل خمس سنوات، ومن ثم انتقل إلى سياتل عام 1990.

 


مراجع للاستزادة 

THE FIRST THREE MINUTES. Steven Weinberg. Basic Books, 1977. 

THE PHYSICAL UNIVERSE: AN INTRODUCTION TO ASTRONOMY. E H. Shu. University Science Books, Mill Valley, Calif., 1982.

A SHORT HISTORY OF THE UNIVERSE. J. Silk. W H. Freeman and Company, 1994.

DEUTERIUM ABUNDANCE AND BACKGROUND RADIATION TEMPERATURE IN HIGHREDSHIFT PRIMORDIAL CLOUDS. A. Songaila, L. L. Cowie, C. J. Hogan and M. Rugers in Nature, Vol. 368, pages 599-604; April 14, 1994.

COSMIC ABUNDANCES. ASP Conference Series, Vol. 99. Edited by S. S. Holt and G. Sonneborn. Astronomical Society of the Pacific, 1996.

THE HISTORY OF THE GALAXIES. M. Fukugita, C. J. Hogan and P.J.E. Peebles in Nature, Vol. 381, pages 489-495; June 6, 1996.

Scientific American, December 1996

 


(1) الدوتريوم deuterium هو نظير عنصر الهيدروجين الذي يحتوي على بروتون واحد ونيوترون واحد في نواته. وزنه الذري 2.0144 ويُرمز له بأحد الرموز التالية: D,d,H2,2H.

(2) المادة المظلمة dark matter هي مادة لا تُصْدِر إشعاعا يمكن كشفه، إنما يمكن استنتاج وجودها من جذبها التثاقلي لأجسام أخرى.

(3) هي الجسيمات التي تتألف منها الذرة، مثل الإلكترونات والنيوترونات والبروتونات، أو أي جسيمات ذات حجوم صغيرة مماثلة لحجوم هذه الجسيمات الثلاثة. (التحرير)

 

HyperLink