|
التسلية بالرياضيات

دليل للتأريخ الحاسوبي
<I.
ستيوارت>
في عام 46 قبل الميلاد أخذ التقويم الروماني يصبح
غير منسجم مع الفصول. وبناء على نصيحة الفلكي الإسكندري <سُوسِيجِينيسْ> أضاف
يوليوس قيصر يوما إلى كل سنة رابعة، أو "كبيسة"، ليجعل معدل طول العام 4/1 365
يوم. وبسبب سوء فهم هذه القاعدة فقد اعتبر كهنتُه السنةَ الرابعةَ في الدورةِ
السنةَ الأولى في الدورة التالية، ومن ثَمَّ أضحت كل سنة ثالثة سنة كبيسة.
وَلَمْ يُكتشف الخطأ تماما إلا بعد مرور 50 سنة.
لن نعاود ارتكاب مثل هذه الأغلاط ثانية. فمنذ قرابة
10 سنين قرر <N.
دِيرْ شُوڤِتْز> و <M
.E.
رينگولد> (من جامعة إلينوي) إعداد تقويم وتمييز للأيام لصالح إحدى الشركات.
وكان أن نشأ عن هذا المشروع كودٌ حاسوبي لتحويل التواريخ من نظام تقويمي إلى
آخر. وكانت التقاويم الأربع عشرة التي تناولتها الدراسة هي الگريگوري وتقويم
المنظمة الدولية للمعايرة (ISO)
واليولياني (من تقويم يوليوس قيصر) والقبطي والإثيوبي والإسلامي (الهجري)
والفارسي والبهائي والعبري، وتقويم شعوب المايا وتقويم الثورة الفرنسية والصيني
والهندوسي القديم والهندوسي الحديث.
وتختلف التقاويم من حضارة إلى أخرى، ذلك أنها جميعا
محاولات لإنجاز المستحيل الذي يمكن وصفه بأنه جعل اللانسبي
irrational
نسبيا. فواحدات وقتنا أساسها دورات فلكية ثلاث: اليوم والشهر والسنة. فاليوم
الشمسي المتوسط الذي طوله 24 ساعة هو الفترة الزمنية الواقعة بين مرورين
متعاقبين للشمس فوق رؤوسنا. والفترة الزمنية بين غُرَّتَيْنِ متعاقبتين للقمر
هي الشهر الاقتراني المتوسط الذي يدوم 29.530588853 يوم. والزمن اللازم للشمس
كي تعود إلى الموقع نفسه من مسارها الظاهري هو السنة المدارية المتوسطة التي
تمتد 365.242189 يوم. ولو كان الدور القمري 29.5 يوم وكان الدور الشمسي 365.25
يوم، لكان القمر يعود إلى حيث بدأ تماما كل 59 يوما (29.5×2) ولكانت الشمس تعود
إلى النقطة نفسها التي انطلقت منها كل 1461 يوما (365.25×4). وهكذا فإن
المنظومة المكونة من الأرض والقمر والشمس ستعود إلى وضعها النسبي نفسه كل 1461
يوما ( 365.25 4X). ومن ثَمّ فإن تقويما طول دورته 86199 يوما سيظل صالحا مدى الدهر (إذا
ما تجاهلنا التغيرات الطفيفة التي يُحدثِها الاحتكاك المدّيّ).
ولسوء حظ واضعي التقاويم، فإن النسب بين الأيام
والشهور والسنين تسلك سلوكا مماثلا للأعداد اللانسبية (الصم)؛ إذ إنها لا
تُمَثَّلُ بكسور بسطُها ومقامُها عددان طبيعيان (أو على الأقل، تُستخدم فيها
أعداد صغيرة نسبيا). وهكذا فالدورات القمرية والشمسية لا تعود البتّة في واقع
الأمر إلى الوضع نفسه بالضبط.
وواقع الحال أن معظم الحضارات إمّا أن تعتمد التقويم
الشمسي وتتصرف على نحو أو آخر لحل مشكلة الشهور، وإما أن تعتمد التقويم القمري
وتتجاهل المشكلات المتعلقة بالفصول. وأيا كان الاختيار المعتمد فإنه يتعين على
مصمِّم التقويم أن يعثر على طرق عملية لمعالجة الأخطاء الصغيرة التراكمية. ومن
هنا تنشأ الإجراءات المعقدة التي تُفْضي إلى السنين الكبيسة والأشهر ذات
الأطوال المختلفة وغيرها. وكي تكتشفَ مدى التعقيد الذي يمكن أن يحدث، فما عليك
إلا أن تراجع نسخة من الحسابات التقويمية
Calendrical
Calculations
التي أصدرها المؤلف ونشرتها مطبعة جامعة كامبريدج عام 1996، أو أن تعود إلى
صفحة الكتب في الشبكة العنكبوتية العالمية: (http://emr.cs.uiuc.edu/home/reingold/
calendar-book/index.html).
وسأحاول في هذا المقام أن أنقل بعضا من لمحاتها الرائعة متجاوزا كثيرا من
النقاط الأقل وضوحا.
إن أبسط النظم التقويمية لن يفعل أكثر من عدِّ
الأيام المتعاقبة مختارا أحد الأيام المناسبة ليكون "أول أيام" هذا النظام.
ويستعمل الفلكيون اليوم اليولياني، لكن <دير شوڤتز> و <رينگولد> يفضِّلان يوما
يحددانه هما، وهو ما يسميانه "التاريخ المثبت"
fixed
date
(أو rata
die)
الذي يُختَصر بالحرفين
R.D.
وهكذا فإن اليوم 1 من النظام
R.D.
هو 1 يناير (كانون الثاني) من السنة 1 في التقويم الگريگوري، وهو التقويم الذي
نستعمله الآن. ولم يكن هناك وجود فعلي للسنة 1 في التقويم الگريگوري، لأنه
قُدِّمَ عام 1582 من قِبَلِ البابا گريگوري الثالث عشر، لذا فإننا نقوم
باستكمال خارجي
extrapolation إلى
الوراء. كان اليوم "الأول" هو الاثنين مِمّا يسمح لنا باعتبار اليوم 0 بأنه يوم
الأحد السابق له وترقيم أيام الأسبوع من 0 إلى 6. وتَستعمِل حسابات تقويمية
قيمة R.D.
كنظام مرجعي عام.
ونورد فيما يلي مسألتين بسيطتين تقدِّمان مثالين على
نوع الرياضيات المطلوبة:
(1) أي أيام الأسبوع هو 000 1000
R.D.؟
(2) كم سنة مدارية متوسطة كاملة تنقضي بين 0 و
R.D.
1 000
000؟
للإجابة عن السؤال الأول لاحِظْ أن أيام الأسبوع تكوِّن دورة متكررة طولها 7.
لذا فإن أي R.D.
من مضاعفات 7 يجب أن يكون يوم أحد، وأي
R.D.
يُخلِّف باقي قسمةٍ قدره 1 لدى التقسيم على 7 هو يوم اثنين، وهكذا. ونقول إن
اليوم هو عدد R.D. من مَقَاس 7
modulo. وبوجه عام، فإن x من مقاس 7 يعني إيجاد
الباقي عند تقسيم x على 7. ولمّا كان 1+142857× 7 = 1000000 فإن الباقي هو 1
عندما يكون 1000000 = x .ومن ثَمّ فإن
R.D.
1 000
000
هو يوم الاثنين.
التاريخ المُثْبَت (R.D.)
|
لإيجاد قيمة
R.D.
للشهر M
واليوم D
والسنة Y
في التقويم الگريگوري احْسِبْ (حيث [ ] يرمز إلى "دالة أكبر عدد
صحيح"):
(
365 (Y-1)
(a
[(iY-1)/4] - [ (Y-1)/100 ] + [ (Y-1) /440 ]
(b)
( [
(367M -
362) /12] (c
(d)
إذا كان M<2
و 1_ إذا كان M > 2
وكانت Y
سنة كبيسة و 2-
فيما عدا ذلك.
(D
(e
ثم اجمعها معا.
ولهذه الحسابات
التعليل التالي: a
هو عدد الأيام غير الكبيسة في السنوات السابقة؛
b
هو عدد الأيام الكبيسة في السنوات السابقة (يوم كل سنة قابلة
للقسمة على 4، إلا أنه يجب حذف هذا اليوم في كل سنة قابلة للقسمة
على 100. لكن هذا اليوم يُحسَب في كل سنة قابلة للقسمة على 400.
البند c
هو صيغة منفّذة ببراعة لعدد الأيام في الأشهر السابقة للسنة
Y
بافتراض أنه يوجد في شهر فبراير (شباط) 30 يوما وهذا غير صحيح.
ولهذا السبب جاء شرط التصحيح d.
وفي الخطوة e
يمثل العدد D
بالطبع عدد الأيام في الشهر الجاري وحده.
|
وللإجابة على السؤال الثاني نقسم 1000000 على
365.242 فنحصل على 2737.9094. وهذا يعني أن
R.D.
1
000
000
يحوي 2737 سنة كاملة (مدارية متوسطة) بعد صفر الـ
R.D.
ونجد 2737 بحذف كل شيء بعد الفاصلة العشرية. ورياضياتيا، يمكن إنجاز هذه
العملية بوساطة الدالة المسماة دالة أكبر عدد صحيح[x]
greatest
integer
function
التي قيمتها أكبر عدد صحيح أصغر من العدد
x
أو
يساويه.
لندرس الآن كيفية تحويل تاريخٍ گريگوريٍّ، كأن يكون
اليوم 25/12، إلى قيمته في النظام
R.D.
نذكّر بأن قاعدة السنة الكبيسة في التقويم الگريگوري هي: لكل عام من مضاعفات
الأربعة نضيف يوما إلى الشهر 2 ليصبح عدد أيامه 29 يوما ما لم يكن العام من
مضاعفات 100 (لكن مضاعفات 400 هي سنوات كبيسة أيضا). وقد بين ديرشوڤتز ورينگولد
أن هذه القاعدة تؤدي إلى الإجراءات الواردة ضمن الإطار العلوي في هذه الصفحة.
عندئذ لدى كون الشهر
M =
12
واليوم D
= 25
والسنة Y
= 1996
نجد أن:(a)
= 728
175
، (b)
= 498-19+4
= 483
،(c)
= 336
،(d)
-1
،(e)
= 25 . وقيمة
R.D.
هي المجموع 25+1-336+483+175 728 الذي يساوي 729018. لذا فإن يوم الأسبوع هو
729018 من مقاس 7، وهذا يساوي 3؛ إذًا فإن عيد الميلاد في عام 1996 هو يوم
الأربعاء.
وكي نرى أنه يمكن التعامل مع تعقيدات الحسابات
التقويمية بسهولة، فإننا سننظر في التقويم الفارسي الحديث. لقد اعتُمِد هذا
التقويم عام 1925، لكن بدايته هي 19/3/622 للميلاد ـ وهو يوم الاعتدال الربيعي
السابق لبداية التقويم الإسلامي الهجري. في التقويم الفارسي 12 شهرا: في كل من
الستة الأشهر الأُوَل منها 31 يوما، وفي كل من الأشهر الخمسة التالية 30
يوما، الأخير ـ إصفاند ـ 29 يوما في السنة العادية و 30 يوما في السنة الكبيسة.
ونموذج السنة الكبيسة هنا جدّ معقد، إذ إن له دورة قدْرها 2820 سنة تحوي 683
سنة كبيسة.
وتُقَسَّمُ السنوات التي عددها 2820 إلى 21 دورة
جزئية كل منها مؤلف من 128 سنة تتبعها دورة جزئية من 132 سنة. كذلك تقسّم كل
دورة جزئية مؤلفة من 128 سنة إلى دورات فرعية أطوالها 29 + 33 + 33 + 33، في
حين أن الدورة الجزئية من 132 سنة مقسمة إلى 29 + 33 + 33 + 37. وأخيرا ففي كل
دورة فرعية تكون السنوات 5 و 9 و 13، وهكذا ـ بإضافة 4 إلى كل منها للحصول على
العدد اللاحق ـ هي سنوات كبيسة. إن التقويم الفارسي يقع في خطأ قدْره 1.7 دقيقة
في نهاية دورة واحدة طولها 2820 سنة، ومن ثَمَّ فلا بد من انقضاء 2.39 مليون
سنة كي يحدث فرق قدْره يوم واحد عن الدورات الفلكية الحقيقية.
ويتبع التقويم الهندوسي القمري الشمسي أسلوبا مختلفا
جدا، وبنيته العامة تشمل دورة تدوم 1577917500 يوم. و"السنة" (أي السنة الفلكية
آريا arya)
هي جزء واحد من320000 4 من هذا العدد، أي 365.258 يوم. وكل شهر شمسي هو جزء
واحد من 12 من السنة. كما أن كل شهر قمري هو جزء واحد من 53433336 من الدورة
التي طولها 1577917500 يوم، وهذا يساوي 29.531 يوم. والفكرة الأساسية هنا هي
التعامل مع كِلا الشهرين في آن واحد. هذا وإن الشهر القمري يكون من وقت إلى آخر
محتوى تماما في الشهر الشمسي، وعندئذ يُعَدُّ الشهر القمري شهرا كبيسا، وإذ ذاك
يدخل شهر قمري إضافي بعده.
وخلافا للتقاويم الأخرى، فإن التقويم الصيني يستند
إلى الحوادث الفلكية وليس إلى القواعد الحسابية. والتقويم الوارد في الحسابات
التقويمية هو أحدثها، وهو يبتدئ من عام 1645. يبتدئ الشهر القمري من غرّة القمر،
وتحوي السنة 12 أو 13 شهرا. لكن ترتيب الأشهر يتوقف على مرور الشمس خلال أبراج
دائرة البروج. والسنة الشمسية مقسمة إلى 12 قسما شمسيا رئيسيا يسمى كل منها
زونكي zhongqi،
و 12 قسما شمسيا فرعيا يسمى كل منها جييگي
jieqi. وكل قسم يقابل
جزءا من خطوط الطول الشمسية قياسه 15 درجة، علما بأن الأقسام الرئيسية تبتدئ
بمضاعفات 30 درجة والأقسام الفرعية تبتدئ بالفجوات بينها.
والقاعدة الأساسية هي أن الانقلاب الشتوي يحدث خلال
الشهر الحادي عشر من السنة. لذا ففي السنة المحتوية على 12 شهرا قمريا كاملا
تكون الشهور مرقمة دوما على النحو 12، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 11. أما
في السنة المؤلفة من 13 شهرا، فإن أحد الأعداد يُكرّر ليصبح شهرا كبيسا، وهو
أول شهر لا يحوي قسما شمسيا رئيسيا. (وبسبب وجود 13 شهرا قمريا و12 قسما شمسيا
رئيسيا فقط، فإن شهرا قمريا واحدا على الأقل لا يمكنه احتواء قسم شمسي رئيسي.)
ولما كانت التقاويم في أيامنا هذه غاية في التعقيد،
فماذا يمكن أن نقول عن التقاويم المستقبلية؟ إن الدورات الفلكية المختلفة
جميعها تغير أطوالها ببطء بسبب قوى الجذب الناشئة عن المد. إضافة إلى ذلك،
فهناك مبادرة الاعتدالين
equinoxes (الخريفي
والربيعي) التي تُحدِثُ من وقت إلى آخر مشكلات مرتبطة بالعصور الجليدية ـ ومن
ثم فإن أي تقويم مستقبلي لا بد أن يرتبط بالمناخ.
وفي الحقيقة، فإنه يتعين على التقويم المستقبلي أن
يكون مؤهلا للتفاعل مع المؤثرات الخارجية، وأن يكون قابلا للتعديل وفقا لما قد
يحدث في الواقع، وألا يكون مبنيا فقط على قواعد موضوعة مسبقا. ذلك أن الفلكيين
اكتشفوا أن حركة النظام الشمسي شواشيّة. ومع أن أول أيام سنة 000 10000 بعد
الميلاد سيكون الأول من يناير (كانون الثاني)، إلا أنه لا يمكن لأحد أن يتنبأ
بعدد الأيام التي تفصلنا عنه.
|