|
التقانة والاقتصاد في صناعة أشباه الموصلات
على الرغم من أن أيام النمو السريع لهذه
الصناعة
قد تكون معدودة، فإن انقضاءها قد يجبر
صانعي
الشيپات على المزيد من التنويع في
إنتاجها.
<D.G.هوتشيسون> ـ<J.D .هوتشيسون>
كانت إمكانية تخزين المعلومات ومعالجتها بطرائق
جديدة أمرا جوهريا لتقدم الإنسانية. فابتداء من المسكوكات الطينية السومرية،
مرورا بالطباعة في مطبعة گوتنبرگ، ثم نظام ديوي للتصنيف العشري، وانتهاء بتقانة
أشباه الموصلات، يشكل تخزين المعلومات الحافز إلى تشكيل نظم قانونية وسياسية
واجتماعية متزايدة التعقيد. والعلوم الحديثة هي أيضا مرتبطة بشكل وثيق بمجال
معالجة المعلومات الذي تتواجد فيه حالة تكافل. فالتطورات العلمية مكَّنت من
تخزين وقراءة ومعالجة المزيد من المعلومات التي ساعدت بدورها على تكوين الرؤى
اللازمة لتطورات جديدة أخرى.
وعلى مدى عدة عقود منصرمة، أصبحت إلكترونيات أشباه
الموصلات القوة المحركة في هذا المسعى الحاسم، معلنة دخول عصر رائع. فالدارات
المتكاملة (المدموجة) integrated
circuits مكَّنت من صنع الحواسيب الشخصية التي
أحدثت تحولا في عالم التجارة والأعمال، واستُخدمت في نظم التحكم التي تجعل
المحركات والآلات تعمل بشكل أنظف وأكثر كفاءة وكذلك في الأجهزة الطبية التي
تسهم في إنقاذ أرواح البشر. وبقيامها بهذه الوظائف، أوجدت صناعات تعود بمئات
البلايين من الدولارات ووفرت وظائف لملايين من البشر. كل هذه المزايا، والكثير
غيرها التي يتعذر سردها هنا، تنشأ إلى حد كبير عن قدرة صناعة أشباه الموصلات
على دمج المزيد من الترانزستورات في شيپات chips،
بتكاليف تنخفض باطراد.
إن هذه القدرة على الدمج التي لا سابق لها في
التاريخ الصناعي، أساسية جدا في عالم التجارة لأشباه الموصلات؛ بحيث اعتبرت
قانونا لأي تطور في هذا المجال. ومع ذلك، فإن مخاوف احتمال تأثير العوائق
الاقتصادية والتقانية في إبطاء موكب التقدم في تقانة أشباه الموصلات كانت تبرز
على نحو غير متوقع بين الحين والآخر. فكثيرا ما توقع عدد من العلماء والمهندسين
بروزا وشيكا لما يسمى مشكلات توقف المشروع، ولم يكن هدفهم في ذلك سوى رؤية هذه
التوقعات تحبطها عبقرية أقرانهم وإبداعاتهم.
ومع كلفة بناء منشأة شبه موصلة جديدة يصل عدد
خاناتها إلى العشرة واقتراب كثافة الترانزستورات من الحدود النظرية الخاصة
بالتقانة المستخدمة، هناك سؤال يدعو للقلق يُطرح مرة أخرى في بعض المحافل: ما
الذي سيحل بهذه الصناعة عندما تواجه في النهاية عوائق تقانية لا يمكن حقا
تجاوزها؟
مور والمزيد من الترانزستورات
في عام 1964، أي بعد اختراع الدارة المتكاملة بستة
أعوام، لاحظ <G.مور> الذي شارك في تأسيس شركة
Corporation Intel عام 1968، والذي يعدّ أحد
حكماء الصناعة حاليا، أن عدد الترانزستورات ـ التي يستطيع صانعو أشباه الموصلات
وضعها في شيپة واحدة ـ يتضاعف كل عام. وتنبأ بدقة بأن هذا التقدم السريع سيستمر
حتى المستقبل القريب على الأقل. وبذلك أصبحت هذه الظاهرة تعرف باسم قانون مور،
وأحرزت نتائج على درجة كبيرة من الأهمية.
وبما أن عمليات مضاعفة الكثافة لم تترافق بازدياد
الكلفة، فإن كلفة الترانزستور الواحد انخفضت إلى النصف مع كل مضاعفة. وبمضاعفة
عدد الترانزستورات تستطيع شيپة ذاكرة واحدة تخزين ضعف البيانات (المعطيات).
والمستويات العليا من الدمج تعني دمج أعداد أكبر من الوحدات التشغيلية في
الشيپة، مما يجعل الأدوات، كالترانزستورات، بعضها أقرب إلى بعض. وبالتالي
تتبادل التأثير فيما بينها بصورة أسرع. وهكذا أعطت هذه التطورات المستخدمين
استطاعة احتساب متزايدة بالكلفة نفسها، محفزة بذلك عمليات بيع الشيپات وطلبها
بقوة متزايدة.
ومع دهشة العديد من الخبراء ـ بمن فيهم مور نفسه ـ
استمر الدمج بالازدياد بسرعة مذهلة. وفي الحقيقة، تباطأ التقدم في نهاية
السبعينات، بحيث أخذت الترانزستورات تتضاعف كل 18 شهرا، لكنه ظلَّ على هذه
الوتيرة منذ ذلك الحين، مما أدى إلى ظهور دارات متكاملة تجارية تحوي حاليا أكثر
من ستة ملايين ترانزستور. يبلغ مقاس المكونات الإلكترونية في هذه الشيپات 0.35
مكرومتر. ومن المتوقع قريبا أن تتوافر تجاريا شيپات ذات عشرة ملايين ترانزستور
أو أكثر يبلغ مقاسها 0.25 أو 0.16 مكرومتر.
وفي تناقض واضح لما قد تعنيه وثوقية مضاعفة كثافات
الترانزستور، لم يكن الطريق الذي أدى إلى الشيپات الحالية سهلا، بل كان أشبه
بسباق لتذليل العقبات التي استدعت، على نحو متكرر، صانعي الشيپات للتغلب على
قيود مهمة تتعلق بمعداتهم وبعمليات الإنتاج. لم تكن أي من تلك المشكلات العائق
المخيف الذي يهدد العملية بالتوقف ويتطلب حلّه تكاليف باهظة من شأنها أن تبطِئ
أو حتى أن توقِف موكب تقدم أشباه الموصلات وبالتالي تمنع ازدهار صناعتها. ومع
ذلك، أصبحت العقبات المتتالية تتعاظم باستمرار لأسباب تتعلق بالتقانات الأساسية
لصناعة أشباه الموصلات.
يتم الحصول على الشيپات عن طريق صنع ترانزستورات
ووصل بعضها ببعض لتشكل نُظُما (منظومات) إلكترونية معقدة على رقاقة فضية من
السليكون. تعتمد عملية الصنع على سلسلة من المراحل، تسمى طبقات القناع، يُوضع
من خلالها أغشية من مواد متنوعة ـ بعضها حساس للضوء ـ على السليكون وتُعَرَّض
للضوء. بعد وضع هذه الأغشية وإجراء عمليات الطباعة الحجرية، تُعالج الطبقات
«لحفر» النماذج التي ما إن تتراصف (تصطف) بدقة وتتآلف مع تلك الموجودة على
الطبقات المتتالية، حتى تنتج الترانزستورات والوصلات (الروابط). يتم عادة صنع
200 شيپة أو أكثر بشكل متزامن على قرص رقيق، أو رقاقة، من السليكون [انظر الشكل
في الصفحة التي تليها].
في المجموعة الأولى من طبقات القناع، توضع أغشية
أكسيد عازلة لصنع الترانزستورات، ثم يُسكب فوق هذه الأغشية طلاء حساس للضوء
يسمى الواقي الضوئي، يُعرَّض هذا الواقي للضوء بوساطة مكبرة تشبه تلك المستخدمة
لصنع طبعات الصور الفوتوغرافية. وبدلا من الصورة السالبة، على أية حال، تَستخدم
المكبرة شبيكة أو قناعا مكوَّنا من أجزاء معتمة وأجزاء شفافة لعرض نموذج على
الواقي الضوئي. وبعد إسقاطه، يُظَهَّر الواقي الضوئي، الأمر الذي يحدد الأمكنة
المعروفة بنوافذ التّماس (الاتصال) حيث تتصل مختلف الطبقات الموصلة فيما بينها.
ثم تتبع ذلك مرحلة حفر (نقش) عبر غشاء الأكسيد بحيث تصنع التماسات الكهربائية
بين الترانزستورات ثم يزال الواقي الضوئي.
وهناك مجموعات أخرى من طبقات القناع، تعتمد كثيرا
على مراحل وضع الأغشية والطباعة الحجرية والحفر نفسها، تسمح بصنع الأغشية
الموصلة من المعدن أو من السليكون المتعدد البلورات الضروري لوصل
الترانزستورات. وتتطلب صناعة شيپة واحدة نحو 19 طبقة قناع.
إن الظواهر الفيزيائية التي تعتمد عليها بشكل أساسي
مراحل التصنيع هذه، تبدي عدة عقبات محتملة قد تقف أمام استمرار التقدم التقاني.
تنحدر إحدى هذه العقبات من حدّ الفصل لرايلي المنسوب إلى<W.G.سترات>
ثالث بارون لرايلي، الحائز جائزة نوبل للفيزياء عام 1904. ووفقا لهذا الحدّ،
تكون أبعاد أصغر التفاصيل ـ التي يمكن فصلها بمنظومة ضوئية ذات فتحة دائرية ـ
متناسبة مع قسمة طول موجة المنبع الضوئي على قطر فتحة العدسة الجسيمية. وبعبارة
أخرى، كلما كانت الأطوال الموجية أقصر والفتحة أكبر، كان الفصل أفضل.
يعدّ هذا الحدّ قانونا أساسيا في صناعة أشباه
الموصلات لأنه يمكن استخدامه لتحديد قياس أصغر الترانزستورات التي يمكن وضعها
على شيپة واحدة. وقد شاع في الطباعة الحجرية للدارات المتكاملة استخدام مصباح (بخار)
الزئبق كمنبع ضوئي، لأن أطيافه الخطية هي أفضل ما يُستخدم لهذا الغرض، ولا سيما
الخطان الطيفيان عند 436 و 465 نانومتر، اللذان يدعيان بخطي
g و i الزئبقيين. يمكن رؤية الخط الأول بالعين
المجردة، أما الخط الآخر فيقع تماما وراء مجال الرؤية في الإشعاع فوق البنفسجي.
تتراوح الفتحات الرقمية الجسيمية المستخدمة من نحو 0.28 مكرومتر بالنسبة
للعدسات الصناعية إلى نحو 0.65 مكرومتر كحدٍّ أعلى بالنسبة لتلك الموجودة في
أدوات الطباعة الحجرية عالية الجودة. لو أُخذت هذه القيم إضافة إلى الاعتبارات
الأخرى الناشئة عن متطلبات التصنيع العالي الحجم لَوُجد أن الفصل الحدّي يقارب
0.54 مكرومتر بالنسبة لعدسات الخط g ونحو 0.48
بالنسبة لعدسات الخط i.
كان يُعتقد، حتى منتصف الثمانينات، أن الخط
g هو
الخط الوحيد المستخدم عمليا، لكن جرى تبديد العقبات التي تعترض استخدام الخط
i واحدة إثر أخرى، بصورة توضِّح العلاقات المعقدة في الصناعة بين
الاقتصاد والتقانة. لقد تم التغلب على العوائق التقانية، لكن عُثر على مشكلات
أخرى أكثر أهمية تتبع مستوى المجازفة التي تتقبل الشركات تحملها. هذا هو تماما
الوضع الذي تجد صناعة أشباه الموصلات نفسها فيه الآن ـ حيث تقترب مما يبدو أنها
ستكون القيود العملية لاستخدام الخط i.
هل ينبغي أن يستمر المشروع؟
كان أحد عوائق استخدام الخط i
يعود إلى كون معظم الزجاج المستخدم في العدسات معتما عند تواترات الخط
i مما يتطلّب استخدام عدسات كوارتز. في البداية
تم التفكير فيما أنه لو تمكنّا من صنع عدسات كوارتز مناسبة فسيكون من الصعب
التحقق من تراصف النماذج غير المرئية. فضلا عن ذلك، فإن نحو 70% فقط من إشعاع
الخط i يمر عبر الكوارتز، ويتحول الباقي إلى
حرارة في العدسة مما قد يشوِّه الصورة.
وكل هذا لا يدل على حجم المصاعب، إذ يقيِّم حدّ
رايلي أيضا المجال الذي يكون فيه النموذج الذي تسقطه العدسات مباءرا. لكن عمق
التبئير المحدود يمكن أن يتعاكس مع حدود الفصل: فكلما كان عمق التبئير قليلا،
كان الفصل أفضل. ومن أجل عدسات كتلك الموصوفة سابقا، يكون عمق التبئير نحو 0.52
مكرومتر في أفضل العدسات المستخدمة للخط g ونحو
0.50 مكرومتر في عدسات الخط i. يتطلَّب مثل هذه
الأعماق الضحلة أن تكون سطوح الرقائق مستوية للغاية ـ أكثر استواء من تلك التي
تم الحصول عليها عبر قطر شيپة كبيرة، قبل عدة سنوات فقط، بوساطة أفضل الأجهزة
المتوافرة حينذاك.
تتجاوز الحلول المبتكرة حديثا هذه القيود، فقد
طُوِّرت طرائق تسوية لضمان صنع سطوح مستوية ضوئيا. واستُخدِمت وسائل ضبط دقيقة
لحواف النماذج في الشبيكة من أجل تغيير طور إشعاع الخط i
الوارد، فأمكن الحصول على تحديدات أفضل للحواف وبالتالي على تفاصيل أدق
للصورة ـ كل هذا في الواقع ليس إلا التفافا على حدّ رايلي. وكانت إحدى آخر
وسائل الضبط مجرد قبول قيمة أخفض لثابت التناسب، الذي يرتبط بدرجة التباين في
الصورة المعروضة على الرقاقة أثناء الطباعة الحجرية. ولاستخدام الخط
i، قَبِل المصنعون على مضضٍ ثابتَ تناسب أخفض من
ذلك الذي اعتُقد أنه عملي في السابق. ودلّ استخدام القيمة الأخفض على أن المجال
المسموح به للعيوب أثناء التصنيع سيكون أصغر، كونه يتطلَّب مراقبات أشد على
عمليات وضع الأغشية وحفرها والطباعة الحجرية، للإبقاء على عدد الشيپات المقبولة
في الرقاقة (المردود) عاليا. ونتيجة لهذه الابتكارات، يتم الآن استخدام مكبرات
للخط i بصورة روتينية، لتعريض صور للضوء قياسها
0.35 مكرومتر.
وفي الآونة الأخيرة، كان الجدل يتركز على خفض معدل
التباين الذي يمكن للشركة أن تتسامح به. عندما يكون التباين كاملا، تكون الصورة
المنشأة على الواقي الضوئي واضحة. وعلى غرار العديد من القيود الأخرى في
الصناعة، كان يُنظر إلى معدل التباين كعائق تقاني لكنه كان في الواقع خيارا
محفوفا بالمخاطر. وقد وُجِد أن خفض معدلات التباين لا يقلل من المردودات إذا
شُدِّدَ ضبط الجودة في مراحل أخرى من عملية التصنيع.
كان من الصعب توقع متى ـ أو هل ـ سينضب هذا التيار
من التحسينات المبدعة. ومع ذلك، وحيث إن التيار أصبح ينساب ببطء، ستصبح النتائج
الاقتصادية عند الاقتراب من العوائق التقانية محسوسةً قبل الوصول إلى العوائق
نفسها. على سبيل المثال، إن تكاليف إنجاز مستويات عليا لأداء الشيپة ترتفع
بسرعة كبيرة عند الاقتراب من حدود تقانة التصنيع ومن ثم عند تجاوزها. وارتفاع
التكاليف هذا قد يرفع أسعار البيع إلى أبعد مما يستعد الشاري لدفعه مؤديا إلى
ركود السوق قبل مواجهة العوائق الفعلية.
أخيرا، وعلى الرغم من ذلك، أدى ترسُّخ تقانة تصنيع
جديدة إلى انخفاض نفقات تصنيع الشيپات. عند هذه النقطة، قفزت الصناعة من منحني
أداء سعر التكلفة المرتبط بالتقانة القديمة إلى منحنٍ آخر يقابل الطريقة
الجديدة. في الواقع، إن الانتقال المفاجئ من تقانة تصنيع إلى أخرى يجعل منحني
سعر تكلفة التصنيع ينخفض دافعا الحدود التقانية بعيدا [انظر الشكل في هذه
الصفحة]. وعندما يحدث ذلك، يتم الحصول على أعلى مستويات الأداء من دون زيادة في
سعر التكلفة، مما يدفع المبتاعين إلى استبدال تجهيزاتهم القديمة. وهذا أمر هام
في صناعة الإلكترونيات لأنه نادرا ما تُستهلك الأصناف المنتجة قبل أن تصبح
قديمة الطراز.
تنطبق طرائق التصنيع والآليات التقانية التجارية
المذكورة سابقا على جميع أنواع الشيپات، لكن شيپات الذاكرة تعد أكثرها أهمية في
بعض النواحي، وتجارتها هي الأعلى حجما في عالم التجارة والأعمال. انخفض سعر
شيپة ذاكرة شبه موصلة سعتها 1 ميگابايت من 000 550دولار أمريكي منذ 25 عاما،
إلى مجرد 38 دولارا أمريكيا حاليا. لكن على مدى الفترة نفسها، ارتفعت تكلفة
بناء معمل لتصنيع شيپات الذاكرة هذه من أقل من 4 ملايين دولار إلى أكثر من 1.2
بليون دولار بقليل، مما يجعل هذا النوع من المشروعات الاقتصادية بعيدا عن
متناول الشركات ما عدا الكبيرة جدا منها. إن مثل هذا الارتفاع المفاجئ في
التكاليف، الناجم أساسا عن إحراز تقدمات تقانية أكثر أهمية، ركَّز الانتباه مرة
أخرى على حدود صناعة أشباه الموصلات.
التطورات الضرورية
من غير المرجح أن تأتي صناعة أشباه الموصلات لتُعلن
عن توقف مفاجئ لها في وقت قريب. لكن العوائق الآن ستكون كبيرة جدا عند
الاقتراب منها بحيث سيسبب تجاوزها على الأرجح تغييرات أعمق من تلك التي
استدعتها المراحل السابقة.
الجهود المبذولة لتحقيق النجاح
|
استخدمت جميع الشركات
الصناعية ـ على مدى 60 عاما، وبشكل أساسي ـ النموذج نفسه لتقدير العوائد
المالية التي ستجنيها من استثماراتها في التجهيزات والبحوث والتسويق وجميع
أنواع الاستثمارات الأخرى. أدخلت شركة جنرال موتورز هذا النموذج، الذي طوره
قبيل الحرب العالمية الأولى <D. براون> (من دو
بون)، في خضم عالَم الأعمال سعيا منها للتفوق على شركة فورد للسيارات التي كانت
تهيمن على صناعة السيارات حينذاك.
ومنذ اعتماد
نموذج عوائد الاستثمار هذا عالميا، لاقى نجاحا في الصناعات التي
تكون فيها معدلات النمو والتقدم التقاني صغيرة نسبيا. ولكن، حسب
معلوماتنا، لم يتبيّن أن هذا النموذج سينجح في قطاع صناعي كصناعة
أشباه الموصلات، التي يكون فيها العديد من معدلات التغيير الأساسية
في الواقع لاخطية ـ نذكر منها اثنين فقط: أداء الإنتاج ونفقات
أجهزة التصنيع. ومن وجهة نظر اقتصادية، إن هذه اللاخطية هي التي
جعلت، بشكل أساسي، صناعة أشباه الموصلات لا تشبه أيا من الصناعات
الكبيرة الأخرى، وبالتالي جعلت جميع الأنماط الاقتصادية الأخرى غير
مناسبة.
في صناعة
أشباه الموصلات، يجب أن تنصب رؤوس الأموال الكبيرة نسبيا ـ
بالتناوب ـ على المعدات والبحوث، على أن يكون كل استثمار أكبر أسيا
من الذي سبقه. فضلا عن ذلك، وكما هي الحال بالنسبة لأية شركة، فإن
الاستثمارات في البحوث والتجهيزات الجديدة وما إلى ذلك، يجب أن
تعود بربح وافر في نهاية المطاف. على أي حال، لا تملك شركات أشباه
الموصلات حاليا أي سبيل لتحديد نسبة عوائدها المالية ـ التي تأتي
من استثماراتها للتقانة ـ تحديدا دقيقا، الأمر الذي يطرح مشكلات
خطيرة أمام هذه الصناعة. وقد مضت حتى الآن عدة سنوات ونحن ندرس طرق
تحديد معالم الصناعة التي تأخذ في حسبانها هذه العناصر اللاخطية،
واضعين نصب أعيننا تغيير نموذج عوائد الاستثمار.
في النموذج
التقليدي، توضع الاستثمارات الكبيرة الإضافية فقط عندما تظهر
الثغرات بين الاستطاعة الحقيقية للمُصنِّع واستطاعته المتوقعة (أي
تلك التي تظن الشركة أنها ستحتاج إليها لتلبية الطلب في المستقبل
القريب)، إذ ينتج مثل هذه الثغرات من قِدَم المعدات ورحيل الموظفين
ذوي الخبرات. وفي المقابل، في صناعة كصناعة أشباه الموصلات، لا
ينبغي فقط توقع زيادات الاستطاعة بشكل دائم، وإنما يجب أيضا التكهن
بالتقدم الكبير في تقانات التصنيع نفسها والتخطيط له.
ولتفسير تأثير
استجلاب هذه التقانة، بدأنا نأخذ بالاعتبار نسبة العملة النقدية
المتولدة أثناء سنة معينة إلى الاستثمارات التي وُظفت للتقانة
الجديدة في العام الذي سبقه. وفي هذا السياق، يُقصد بالتقانة
الجديدة معدات التصنيع الجديدة والبحث والتطوير الإنمائي. فالعملة
النقدية المتولدة خلال العام هي الربح الإجمالي الناتج من عمليات
الاستثمار بما في ذلك النقود المخصصة لإعادة الاستثمار في البحث
والتطوير. (لأسباب تتعلق بالضريبة، وفي الممارسة القياسية المطبقة
في الصناعة، لا تُصنَّف تمويلات البحث والتطوير ضمن هذه الفئة، لكن
يُفضَّل معاملتها على أنها نفقات تشغيل).
تدل هذه
النسبة على زيادة الأرباح وعلاقتها بكل استثمار جديد جرى في عام
1995. وهي تُظهر، في الواقع، مدى نجاح الشركة في تحقيق الأرباح
بفضل وضع استثماراتها في أكثر التقانات تكلفة على الإطلاق. وعلى
العكس، فإن نماذج عوائد الاستثمار تقيس، على مدى عام، الأرباح
المتزايدة الآتية من جميع الاستثمارات، وليس فقط من استثمارات
العام السابق.
إلى هذا الحد،
صنفنا معا معدات التصنيع الجديدة والبحث والتطوير الإنمائي فقط
واعتبرناهما تقانة جديدة. لكن لو فصلنا هاتين الفئتين إحداهما عن
الأخرى، سيصبح تأثير استجلاب التقانة لافتا للنظر وستتضح العلاقة
بينهما. وأحد سبل القيام بذلك قياس نسبة هذين الاستثمارين عاما بعد
آخر ومن ثم رسمها بيانيا: نسبة المبلغ الناتج خلال عام مفترض إلى
الاستثمارات الموظفة في تقانة جديدة خلال العام الذي سبقه. يُظهر
المخطط (في هذه الصفحة) رسما بيانيا للنتائج التي حققتها شركة إنتل
على مدى معظم مراحل تاريخها.
تظهر في هذا
الرسم المسمى «مخطط الطور» أوجه الاستثمار المتعددة، التي عرفتها
شركة إنتل على مدى تاريخها المالي. إن وصل النقاط المعلَّمة يَرسم
الحلقات التي تقابل كل منها مرحلة مدتها ست سنوات تقريبا، تنتقل
خلالها الشركة من فترة ربح ضئيل سببه استثمار رأس المال ثقيل
الوطأة إلى فترة تحقيق أرباح جيدة ناجمة عن استثمارات أخف بكثير.
يبدو واضحا من المخطط أن شركة إنتل تدخل الآن فترة أخرى من
الاستثمارات الضخمة. وتمر شركات أشباه الموصلات (والتقانات العالية
المشابهة) الأخرى عبر مراحل مماثلة. بالطبع، يختلف توقيت فترات
تحقيق الربح والاستثمار الضخم من شركة إلى أخرى.
من الملاحظ أن كل جزء
منخفض من الحلقة يكون أخفض من الذي سبقه. وهذا يعني أن الرسم الذي
يُظهر أرباح شركة إنتل، المرتبطة بإنفاقات رأس المال التي تأتي بها،
يدل على انحدار هذه الأرباح مع كل مرحلة متتالية، لأنه يُظهر
الدورة الكاملة ابتداء من الاستثمار في التقانة حتى جني الأرباح.
وبذلك يكون مخطط الطور هذا أداة فعّالة لمراقبة وإدارة مراحل
الاستثمار الخاصة بهذه الصناعة الدينامية الفريدة. |
هناك الكثير مما يجب القيام به تجاه البنى ذات
الأغشية الرقيقة، والتي تتركب منها الدارات المتكاملة أو منابع الضوء الضرورية
لصنع الخطوط الموصلة الدقيقة للغاية، أو عرض الخطوط بحد ذاتها. نذكر على سبيل
المثال مسألتين تتعلقان بثابت الكهرنافذية (ثابت العزل) الخاص بالأغشية الرقيقة
العازلة. ويُذكر أن ثابت الكهرنافذية خاصةٌ كهربائية تدل، من أمور أخرى، على
مقدرة غشاء عازل على منع تداخل الإشارات بين الخطوط الموصلة القريب جدا بعضها
من بعض على الشيپة. ومع دمج المزيد من الترانزستورات على شيپة واحدة، تراصّت
هذه الأغشية بعضها إلى بعض، وازداد تفاقم تداخل خطوط الإشارة.
ولزيادة لانفوذية العازل لتداخل الإشارات، هناك حل
وحيد ممكن وهو تخفيض قيمة ثابت الكهرنافذية. وهذا بدوره كان مدخلا للشروع ببحث
ذي شقَّين: أحدهما عن مواد جديدة ذات ثوابت كهرنافذية أخفض، والآخر عن بنى
أغشية جديدة تستطيع أن تخفض ثابت الكهرنافذية الكلي أكثر فأكثر. حتى إن بعض
المهندسين راحوا يبحثون عن طرائق لثقب الغشاء العازل بفجوات صغيرة، كي يستفيدوا
من ثابت كهرنافذية الهواء أو الخلاء المنخفض جدا.
وفي الأمكنة الأخرى من الشيپة، هناك حاجة إلى مواد
لها خاصة مخالفة ـ أي لها ثابت كهرنافذية عالٍ، لذلك تحتوي معظم الدارات
المتكاملة على مكثفات. ففي ذاكرة الولوج العشوائي الدينامية (DRAM)
شبه الموصلة، على سبيل المثال، يتم تخزين كل بتة في مكثف، هو عبارة عن أداة
قادرة على الاحتفاظ بشحنة كهربائية (يمثل المكثف المشحون رقما مثنويا 1، ويمثل
المكثف غير المشحون رقما مثنويا 0). عادة ما تكون سعة المكثف المتوافرة على
الشيپة غير كافية، وبما أن هذه السعة تتناسب مع ثابت كالكهرنافذية، لذا تحتاج
ذاكرات DRAM والشيپات المشابهة لها، إلى مواد
ثابت كهرنافذيتها عال.
إن البحث عن منابع ضوء أكثر تطورا من أجل الطباعة
الحجرية هو أيضا أمر ليس بالسهل، فالحصول على فصل أدق يتطلب أطوالا موجية أقصر.
تُصدِر منابع ضوء الزئبق، التي شاع استخدامها اليوم، طاقة صغيرة جدا بأطوال
موجية أقصر من طول موجة الخط i البالغ 365
نانومتر. إن ليزرات الإكزايمر، صالحة للانخفاض إلى نحو 193 نانومتر لكنها
تولِّد قليلا من الطاقة تحت الطاقة المقابلة لطول الموجة ذاك. وفي السنوات
الأخيرة، صارت الطباعة الحجرية بليزر الإكزايمر تستخدم لصنع كميات معينة صغيرة
من الشيپات العالية الأداء المستخدمة لأغراض خاصة. ومن أجل أطوال موجية أقصر
أيضا، يتم اللجوء أخيرا إلى منابع الأشعة السينية. ومع ذلك، فإن 20 عاما من
البحث على الطباعة الحجرية بالأشعة السينية لم تثمر إلا نتائج بسيطة فقط؛ إذ لم
يتوافر تجاريا بعد شيپات مُصَنَّعَة بالأشعة السينية.
مصانع ببلايين الدولارات
تنشأ العوائق الاقتصادية أيضا مع تزايد العقبات
التقانية، وغالبا ما تتجلى بارتفاع أسعار المعدات الخاصة، وبخاصة معدات الطباعة
الحجرية؛ إذ إن للتقدم في هذا المجال أهمية خاصة لأنه يحدد أصغر الصور التي
يمكن إنشاؤها على الشيپات. وعلى الرغم من أن قياس أصغر هذه الصور الممكنة قد
تقلص إلى نحو 14% سنويا منذ الأيام الأولى لهذه الصناعة، فإن سعر معدات الطباعة
الحجرية ارتفع بمعدل 28% سنويا.
في الأيام الأولى، كلَّف كل جيل جديد من معدات
الطباعة الحجرية عشرة أضعاف كلفة الجيل الذي سبقه. ومنذ ذلك الحين، قلَّص تطور
تكبير المتراصفات الذي كان يحدث بين الجيل والآخر، هذه الزيادات الباهظة في
السعر، إلى مجرد مضاعفة السعر مع كل تطور هام. وأخذ سعر باقي أنواع أجهزة تصنيع
أشباه الموصلات بالارتفاع بصورة مماثلة.
وقد رفعت مثلُ هذه الزيادات التكاليفَ الكلية لبناء
منشآت أشباه الموصلات إلى نحو نصف معدل قانون مور، فأخذت تتضاعف كل ثلاث سنوات.
وحاليا تنفق شركة إنتل 1.1 بليون دولار أمريكي على مصنعها الجديد في هيلّسبورو
بولاية أوريگون و 1.3 بليون على مصنع آخر لها في شاندلر بولاية أريزونا. أما
شركتا سامسونگ وسيمنس فتقومان كل على حدة ببناء منشآت ستكلفها 1.5 بليون حتى
تنتهي، ولدى شركة موتورولا مخططات لمصنع قد يكلف 2.4 بليون دولار. ويمكن بالطبع
بناء مصانع أصغر حجما لكنها ستكون، على الأرجح، أقل كفاءة.
حاليا، تُشكِّل هذه المصانع الباهظة التكاليف
بَيِّنَة، يُستشهد بها على نطاق واسع، تدل على اقتراب العوائق التقانية الكبيرة.
لكن الخوف من احتمال كون هذه العوائق صعبة التجاوز، بحيث تحمل الصناعة على
التوقف، يبدو بالنسبة لنا لا أساس له. فقد ترتفع أسعار أشباه الموصلات وتتباطأ
سرعة التطور في الصناعة لكنها لن تتوقف، بل ستتابع تطورها.
إن مثل هذا التطور لن يكون، بكل معنى الكلمة، الأول
من نوعه. فكلفة الذاكرات بالبتة الواحدة ارتفعت بمقدار 279% ما بين عامي 1985 و
1988 من دون نتائج مشؤومة. في الواقع، كان عام 1988 أحد أفضل أعوام صناعة أشباه
الموصلات. عندما بدأت التكلفة بالبتة الواحدة ارتفاعها بصورة دائمة، والنتيجة
المرجحة ستكون عبارة عن تطور مرحلي في النظام الصناعي من شأنه أن يبدل نماذج
المشروعات الاقتصادية تبديلا ذا مغزى.
استمرار الصعود
مبدئيا، كان ينبغي على كل صناعة يزيد عمرها على بضعة
عقود أن تخضع لمثل هذه التغيرات المرحلية. وعلى الرغم من خصوصية صناعة أشباه
الموصلات الواضحة، فإنها تبقى خاضعة للقواعد الاقتصادية ولقانون العرض والطلب.
وبذلك فإن تاريخ الصناعات التقانية القديمة كصناعة الطائرات وسكك الحديد
والسيارات، يبدو حاملا أحداثا يمكن أن تكون مؤشرات إلى ما يمكن توقعه بالنسبة
لصناعة أشباه الموصلات.
وعلى غرار صناعة أشباه الموصلات، كان لصناعة
الطائرات انطلاقة سريعة، ففي أقل من 40 عاما انتقلت الصناعة من طائرة الأخوين
رايت الأحادية السطح وطائرة Pan
Am Clipper، وإلى
طائرة Flying Fortress
وإلى طائرة Superfortress. وعلى غرار صناعة أشباه
الموصلات، خدمت صناعة الطائرات في البداية السوق العسكري بشكل أساسي قبل أن
تنتقل إلى الأسواق المدنية (البريد ونقل الركاب). حافظت صناعة الطائرات على
تطورها عن طريق تخفيض النفقات للراكب الواحد المنقول عبر الميل الواحد، في حين
خفَّضت أيضا زمن العبور. إن هاتين المهمتين المثنويتين (المزدوجتين) تشبهان
الجهود الحثيثة لصناعة أشباه الموصلات التي بُذلت لزيادة كثافة الترانزستورات
على الشيپات وبالتالي تحسين الأداء، في الوقت الذي خفَّضت فيه سعر الشيپة.
نمت صناعة الطائرات، على مدى عدة عقود، من خلال
تركيز البحث والتطوير في هذه الصناعة على زيادة القدرة على استيعاب المسافرين
وزيادة سرعة الطيران. وفي آخر الأمر، بلغ هذان الاتجاهان ذروتهما مع البوينگ
747 التي غدت مَعْلَمًا (صُوَّة) للاستيعاب، ومع الكونكورد مَعْلَما للسرعة.
وعلى الرغم من نجاح طائرة البوينگ 747، فإنه كان يصعب في معظم الأحيان شغل
مقاعدها العديدة على جميع الطرق ما عدا الطويلة منها. ومن جهة أخرى، كانت طائرة
الكونكورد إخفاقا اقتصاديا، لأن التلوث الضجيجي الذي تحدثه حدَّ من استخدامها.
وبذلك أظهرت هاتان الطائرتان أن التقانة لن تقدم واقعيا المزيد من الاستيعاب أو
السرعة. ومع ذلك، لم تمض صناعة الطائرات في طريق الانهيار بل دخلت مرحلة ثانية
صُمِّمَت فيها مجموعة ضخمة متنوعة من الطائرات الصغيرة وجرى صنعها لأسواق معينة.
لقد تحوَّل طريق البحث والتطوير من التركيز على السرعة والحجم إلى الحصول على
المزيد من الهدوء والكفاءة وتأمين راحة أكبر للمسافرين.
في صناعة السكك الحديدية، كانت اتجاهات التطور
مماثلة. فمنذ القرن التاسع عشر وحتى فترة كبيرة من السبعينات، كانت قوة جر
القاطرات تتزايد باستمرار من أجل تخفيض نفقات نقل البضائع. فقد كانت نفقات
القاطرات كبيرة، لكن التطوّر الذي طرأ على قوة الجر عاد عليها بمكاسب جعلتها
تسبق زيادة النفقات. لكن في آخر الأمر أصبحت تكاليف تطوير القاطرات كبيرة، مما
حدا بمصنعي هذه التقانة ومستخدميها لأن يوحِّدوا جهودهم. فانضمت شركة السكك
الحديدية Union Pacific
Railroad، وهي أكبر شركة في عصرها، إلى قسم
التحريك الكهربائي في شركة جنرال موتورز، وأنشآ EMD
DD-40، وهي قاطرة
عملاقة لا تُستخدم إلا لنقل البضائع عبر الولايات المتحدة. وقد حَمَل الإخفاق
الذي واجهته صناعة السكك الحديدية على العودة لاستخدام محركات أصغر يمكن
تشغيلها منفردة من أجل حمولات صغيرة لكن يمكن شد بعضها إلى بعض من أجل الحمولات
الكبيرة.
وحاليا، تجد صناعة أشباه الموصلات نفسها في وضع لا
يختلف عن وضع شركة السكك الحديدية مباشرة قبل إنشاء القاطرة
EMD DD-40، فنفقات
تطوير مصانع للأجيال الجديدة من شيپات الذاكرة مرتفعة جدا، الأمر الذي حدا
بالشركات للاتحاد فيما بينها في مجموعات مختلفة، كي تعالج كلٌّ منها بطريقتها
الخاصة المشكلات الكبيرة التي يطرحها تصنيع هذه الشيپات الكثيفة للغاية من
الناحية الاقتصادية.
منشآت كبيرة وخيارات محدودة
من تاريخ تصنيع السيارات أيضا استُخلِصت دروس مهمة.
ففي العشرينات بنى <H. فورد> مصانع للسيارات أخذت
كفاءتها بالازدياد إلى أن بلغت أوجها مع منشأة Rouge
الواسعة التي كانت أول من صنع سيارات الطراز A
عام 1928؛ إذ قامت هذه المنشأة انطلاقا من خام الحديد، بصنع معظم الأجزاء
اللازمة للسيارات. لكن صناعة السيارات كانت قد تطورت، لذا فإن جهود فورد لتخفيض
نفقات التصنيع، عبر بناء منشآت أكبر حجما وأكثر كفاءة، جاءت على حساب تنوع
الإنتاج. كانت الطُرْفة التي تدور حول فورد تقول: إن المشتري يستطيع الحصول على
سيارة باللون الذي يرغب فيه شريطة أن يكون اللون أسود.
تحولت اتجاهات التطور في صناعة السيارات لتُمكِّن من
الحصول على مزيد من الراحة وعلى طُرُز متنوعة. وعندما أينعت هذه الصناعة، أدرك
<E.A.سلون> (من جنرال موتورز) أن زيادة الكفاءة
لم تعد مرتبطة بحجم المصنع، وأن المصانع الكبيرة مقتصرة بشكل أساسي على تركيب
أعداد كبيرة من الصنف المنتج نفسه. لذا، فَصَلَ الشركة إلى أقسام ذات أسواق
محدّدة بدقة، وكرّس المصانع لدعم هذه الأقسام. وقد استحسن الزبائن التنوع
الكبير في التصميم الذي نتج من عملية التقسيم هذه، وسرعان ما اكتسبت شركة جنرال
موتورز حصة في السوق على حساب فورد.
تمر صناعة الشيپات حاليا بالمشاهد نفسها، إذ جزأت
شركة إنتل عروضها الخاصة بمعالجات 486 المكروية إلى أكثر من 30 نسخة مختلفة. في
حين عرضت في مطلع الثمانينات ثلاث نسخ فقط من معالجاتها المكروية 8086 ونسختين
فقط من معالجات 8088. وأخذت شيپات الذاكرة الدينامية تتنوَّع بصورة مماثلة،
فشركة توشيبا، على سبيل المثال، تمتلك حاليا من تشكيلات الذاكرة
DRAM، ذات السعة 4 ميگابتة، أكثر بـ 15 مرة من
تلك التي سعتها 64 كيلوبتة، والتي كانت تملكها عام 1984.
تشترك جميع هذه الصناعات، ابتداء من السكك الحديدية
وانتهاء بأشباه الموصلات، في أن المرحلة الأولى منها كانت تسودها الجهود
المبذولة لتحسين الأداء وتخفيض التكلفة. أما في صناعات النقل الثلاث الأكثر
نضجا، فقد برزت مرحلة ثانية تميزت بتحسين الأصناف المنتجة وتنويعها ـ وهذا يشبه
ما يحدث الآن في صناعة الشيپات. تسعى الشركات إلى تغيير استخدامها للتقانة،
فبدلا من استخدامها لتخفيض تكاليف التصنيع ستستخدمها لتحسين أساليب الإنتاج، إذ
من الملاحظ أن جميع هذه الصناعات مازالت مستمرة في الازدهار بالرغم من ارتفاع
تكاليف التصنيع.
وهكذا، لن يمضي زمن طويل قبل أن تستقر صناعة أشباه
الموصلات. فموكب دمج الترانزستورات سيسير نحو التقهقر وستبدأ تكاليف التصنيع
بالارتفاع، لكن بحسب ما يوحيه لنا تاريخ صناعة الطائرات والسكك الحديدية
والسيارات، قد تزدهر صناعة أشباه الموصلات في الوقت الذي تصادف فيه عوائق
اقتصادية وتقانية لا سابق لها، بل لا يمكن تجاوزها. وفي صناعة أكثر نضجا سيأتي
النمو، بصورة شبه أكيدة، من تحسين المنتجات لتأخذ مناحي أكثر تنوعا.
إن تخزين المعلومات، بما في ذلك الوظائف الاجتماعية
التي تعتمد على هذه العملية، سيستمر في التقدم. وفي الواقع، إن بطء سرعة التقدم
في أشباه الموصلات قد يعود علينا بمزايا غير متوقعة، مثل إعطاء بنية الحاسوب
والبرامجيات الوقت للبدء باستيعاب الانتقالات المفاجئة الكبيرة في أداء الشيپات.
وحتى في صناعة أشباه الموصلات، يمكن أن يكون الاكتمال إحرازا رائعا.
المؤلفان
G. Dan
Hutcheson - Jerry D. Hutcheson
IS SEMICONDUCTOR MANUFACTURING EQUIPMENT STILL
AFFORDABLE? Jerry D. Hutcheson and G. Dan Hutcheson in Proceedings of the
1993 International Symposium on Semiconductor Manufacturing. Institute of
Electrical and Electronics Engineers, September 1993.
SIA 1994 NATIONAL TECHNOLOGY ROADMAP FOR SEMICONDUCTORS. Semiconductor
Industry Association, 1994.
LITHOGRAPHY AND THE FUTURE OF MOORE'S LAW. Gordon E.
Moore in SP1E Proceedings on Electron-Beam, X-Ray, EUV, and Ion Beam
Lithographies for Manufacturing, Vol. 2437; February 1995.
TOWARD POINT ONE. Gary Stix in Scientific American,
Vol. 272, No. 2, pages 72-77; February 1995.
AFFORDABILI'I'Y CONCERNS IN ADVANCED SEMICONDUCTOR
MANUFACTURING: THE NATURE OF INDUSTRIAL LINKAGE. Donald A. Hicks and
Steven Brown in Proceedings of the 1995 International Symposium on
Semiconductor Manufacturing. Institute of Electrical and Electronics
Engineers, September 1995.
Scientific American, January 1996
|