Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink سبتمبر - أكتوبر2012 / المجلد 28 HyperLink

  New Page 1

 

 

متلازمة التصادم(*)

تفيد أبحاث جديدة مثيرة للجدل بأن لاعبي كرة القدم الأمريكية الذين شُخِّصت إصابتهم
 بداء لو گيريگ(1) قد تُردّ معاناتهم إلى الضربات المتكررة التي تلقوها على رؤوسهم.

<J. بارثوليت>

 

باختصار

  <K. تورنر>، لاعب محترف سابق في كرة القدم الأمريكية، عانى خلال مسيرته الرياضية - مرتين على الأقل - ارتجاج الدماغ قبل أن يُشخّص لديه داء لو گيريگ أو ما يُسمى مرض التصلب ALS.

  ويعتقد بعض الباحثين أن <تورنر> مصاب بنمط خاص من مرض التصلب ALS يعود سببه إلى ارتجاج الدماغ المتكرر، شأنه في ذلك شأن غيره من اللاعبين الذين تعرضوا لظروف مماثلة.

  غير أن نتائج الأبحاث التي تربط الارتجاجات بأمراض أخرى من أمراض الدماغ لا تزال مثيرة للجدل.

  ويقارن أنصار هذا الرأي مساعيهم الرامية إلى إثبات وجود ارتباط بين رضوض الدماغ والأمراض المماثلة لمرض التصلب ALS بالجهود الكبيرة التي بُذلت لإقامة الدليل على وجود صلة بين سرطان الرئة والتدخين؛ وهناك آخرون ممن يرون أن مثل هذا التشابه لا يقوم على أساس علمي.

  وعلى أية حال، فإن هناك إجماعا واسعا على أن ضربات الرأس المتكررة؛ كتلك التي يتعرض لها لاعبو كرة القدم الأمريكية خلال حياتهم الرياضية، يمكن أن تُلحق أضرارا بأدمغتهم.

 

 

كان <K. تورنر> لاعبا أساسيا في الفريق الوطني لكرة القدم الأمريكية، وكان يلعب ظهيرا في خط الدفاع، يركض ويلتقط الكرة ويصد الهجمات. وكان طول قامته 6.1 قدم ووزنه 230 باوندا تقريبا، مما يجعله أصغر حجما ممن يلعبون في موقعه، ولكنه كان يمتلك قوة دفع هائلة في ساقيه اللتين كان يستخدم كل ما أوتي من قوة فيهما للانطلاق نحو اللاعبين الذين يفوقونه في الحجم. لعب <تورنر> في صفوف فريق الوطنيين بنيو إنكلاند(2) منذ عام 1992 حتى عام 1994، ثم انتقل بعد ذلك إلى صفوف فريق صقور فيلادلفيا، وبقي فيه حتى عام 1999 حيث اعتزل اللعب فيه على نحو مفاجئ. وقد أطلق عليه البعض لقب «خبير التصادم» بسبب التشققات العديدة في خوذته.
 

لم يعد <تورنر> الآن قادرا على تزرير قميصه. وعندما التقيت به مؤخرا في مطبخ كاليفورنيا للبيتزا في برمنگهام بولاية آلاباما، وكان أول ما استرعى انتباهي من أمارات الاختلال في جسده هي الصعوبة التي عاناها عندما همّ بوضع حقيبته الظهرية الصغيرة في السقيفة التي تعلو المكان الذي سيجلس فيه، وكانت ذراعه مستقيمة استقامة ذراع فرانكينشتاين، وكان كتفاه متيبسين وهو يؤرجح حقيبته ليلقيها بعيدا عن جسده. وبعد برهة وجيزة استرعت انتباهي أمور أخرى من بينها أصابعه المعقوفة وإبهاماه اللذان لا يكادان يساعدانه بشيء، مما يجعله يستخدم راحتيه للإمساك بالكوب الذي يشرب منه. وحينما واجه <تورنر> صعوبة في تمزيق حَلَقَة ورقية صغيرة لُفَّت حول منديل المائدة، اختلس نظرة سريعة إلى الطاولات المجاورة ثم حنى رأسه إلى الأسفل ومزقها بأسنانه.
 

وأثناء خروجنا من المطعم قال لي <تورنر> [الذي صار أبا لثلاثة أطفال، وبلغ من العمر 42 عاما]: «لا أستطيع أن أعبّر لك كم هو محبط أن تقوم بفتح علبة من مسحوق الحبوب»، ثم أضاف: «إن فتح علبة من مسحوق الحبوب هو حدث بحد ذاته». ويحتاج <تورنر> اليوم إلى من يساعده على ارتداء سرواله في الصباح، وقد قامت ابنته التي تبلغ من العمر 11 عاما بهذه المهمة في اليوم الذي التقينا فيه، كما ساعدته تلك الابنة على حلاقة ذقنه أيضا.
 

شُخّص مرض التصلب الجانبي الضموري (3)(ALS) لدى <تورنر> في عام 2010، وهو مرض يشيع إطلاق اسم داء لو گيريگ Lou Gehrig عليه. ولا أحد يعرف الأسباب الحقيقية لهذا المرض. وتعود 5-10% فقط من حالاته إلى أسباب وراثية، أما باقي الحالات فهي بمثابة حكم عشوائي بالإعدام. إذ لا يعرف أحد متى يظهر المرض، وليس له معالجة شافية.
 

وترى مجموعة من العلماء الذين يعملون اليوم في بوسطن أن <تورنر> ربما لا يكون حقا مصابا بمرض التصلب ALS مع أنه يعاني أعراضه. فعندما قام هؤلاء الباحثون بتشخيص حالته اكتشفوا في الوقت ذاته تقريبا - كما يقولون - ما يمكن أن يكون مرضا مستقلا لا يختلف بتاتا عن متلازمة التصلب ALS، سواء من حيث الأعراض أو من حيث إنه لايرجى له شفاء. ولعل الفارق الحقيقي الوحيد بينهما هو أن المرض الذي أصيب به <تورنر> يبدو كما لو كان معروف السبب: ضربات متكررة على الرأس، كتلك التي تحدث عادة في ملاعب كرة القدم الأمريكية.
 

 

غير أن الاكتشافات التي توصلت إليها هذه الدراسة الجديدة تبقى مثيرة للجدل إلى حد كبير، فكثير من المتخصصين في مرض التصلب ALS ما زالوا يشكِّكون في الأساس العلمي الذي تقوم عليه تلك الدراسة، ويعبِّرون عن قلقهم بسبب ما أثارته تلك الدراسة من تشويش في أذهان مرضاهم، ويؤكدون أن الأبحاث التي أجريت على مدى عقود عدة سعيا وراء إثبات وجود علاقة بين رضوض الرأس ومرض التصلب ALS لم تتوصل إلى نتائج حاسمة في أفضل الأحوال. لقد أثارت هذه الدراسات سخطا كبيرا، وعلى وجه الخصوص، عندما أشار واضعوها في مقابلات صحفية إلى أن السيد <لو گيريگ> نفسه [وهو المريض الذي سُمِّيَ المرض باسمه] ربما لا يكون مصابا بهذا المرض. وفي رســالة إلى رئيــس تحريـر مجلة الباثولوجيا العصبية وطب الجهاز العصبي التجريبي(4)، عبّر أكثر من اثني عشر طبيبا وباحثا عن شكوكهم في الأساس العلمي لنتائج هذه الدراسات، وعبّروا عن امتعاضهم من «هذه التصريحات التي أخافت العديد من المرضى وشوشت أذهانهم، وجعلتهم - بالطبع - يتساءلون الآن حول ما إذا كانت التشخيصات التي وُضعت لديهم صحيحة فعلا.»
 

تقول <A. ماك كي> [وهي اختصاصية بالباثولوجيا العصبية في جامعة بوسطن وفي مركز بدفورد الطبي بولاية ماساتشوستس، والباحثة الأساسية المسؤولة عن هذه الدراسة] إنها تأسف للجدل الذي أثارته هذه التكهنات بشأن السيد <گيريگ>، ولكنها تؤيد بحزم الأساس العلمي الذي تقوم عليه الدراسة. فدراستها الأصلية استندت إلى ثلاث حالات. أما الآن فلديها خمس حالات إضافية، فضلا عن ثلاث حالات أخرى يُشْتَبه بها وهي في انتظار التأكيد. وتُشبِّه <ماك كي> وزملاؤها معركتهم بتلك التي خاضها باحثون حاولوا إثبات أن التدخين يسبب السرطان. ولاتزال <ماك كي> وزملاؤها يواجهون مقاومة عنيفة، ولكنهم يعتقدون أنهم سوف ينجحون في نهاية الأمر في إثبات أن الارتجاجات الدماغية المتكررة تسبب مرضا في النورون(5) الحركي يترافق بأعراض مماثلة لأعراض مرض التصلب ALS.
 

وقد كانت نتائج الدراسات التي ترجّح احتمال أن تؤدي ارتجاجات الدماغ المتكررة إلى أشكال أخرى من الاختلال الذهني قد دفعت بالفعل اتحاد كرة القدم الأمريكي إلى إدخال تعديلات على بعض مواد دستوره المتعلقة بالضربات الموجعة على الرأس، كما أُقِرَّت أيضا في العديد من الولايات قوانين لضمان عدم إعادة الرياضيين الفتيان الذين أُصيبوا بارتجاج الدماغ بسرعة إلى ساحات الملاعب. ومن بين العلماء الذين ينتقدون بعض التفاصيل في أبحاث <ماك كي>؛ أو الأسلوب الذي قُدّمت به هذه التفاصيل إلى الصحافة، مَن يرى أن النتائج التي توصلت إليها الدراسات ذات أهمية بالغة؛ وهذا ما يراه مثلا <R. براون> [رئيس قسم طب الجهاز العصبي في كلية الطب بجامعة ماساتشوستس] عندما يقول: «إن الملاحظات الجوهرية لعمل <ماك كي> العلمي ذات شأن كبير، وآثارها المترتبة على السياسات العامة ستكون مدهشة.»
 

فوضى عارمة في الدماغ(**)
 

لفهم الجدل العلمي الحالي، علينا أن ندرك أولا ما يحدث في دماغ المصاب بالارتجاج. فما زلنا نستقي معارفنا الحالية إلى حد بعيد من النماذج الحيوانية (تجارب على القوارض والقطط)، ومن مراقبة المصابين بأذيّات دماغية وخيمة في غرف الرعاية المركزة، ومما لدينا من صور الرنين المغنطيسي التي أُجريت لأشخاص عانوا ارتجاجات دماغية خفيفة الوطأة، وهكذا فإن جزءا من المشهد العام ضبابي. بيد أن العلم يتحسن. «ففي الماضي لم يكن بوسعنا الحصول على المعلومات اللازمة سوى من خلال إجراء ثقب في جمجمة الشخص المصاب، أما اليوم فلدينا تقنية تصوير متطــورة تـوفـر لنـا بعضـا مـن هــذه المعــلومات»، كما يقول <Ch. جيز> [الأستاذ المشارك في طب الجهاز العصبي والجراحة العصبية عند الأطفال بجامعة كاليفورنيا - لوس أنجلوس] الذي أجرى مراجعة للأبحاث العلمية المنشورة عن الموضوع الذي نتحدث عنه هنا.
 

ومن الواضح اليوم أن الرأس عندما يتحرك بسرعة كبيرة ثم يتوقف بصورة مفاجئة، فإن خلايا الدماغ تتعرض للتمطط والانضغاط والالتواء. فهذه الخلايا تؤدي وظائفها في الحالة الطبيعية بواسطة انتقال التيار الكهربائي، حيث يقوم جزؤها المُسمى «المحوار» axon بنقل التيار بين الخلايا كما تفعل الأسلاك إلى حد ما. فتنتقل الأيونات ذهابا وإيابا على امتداد المحاوير وفق نمط مُنضَبط، لتنقل الرسائل من مكان إلى آخر في الدماغ، ومن الدماغ إلى باقي أنحاء الجسم. ويقول <جيز> إنه عندما يتعرض الدماغ للارتجاج، فإن أغشية خلاياه تُصاب بضرر يؤدي إلى تسرب السوائل من الخلايا، فتندفع الأيونات للدخول إلى الخلايا والخروج منها بصورة عشوائية، فيندفع كل من الصوديوم والكالسيوم إلى داخل الخلايا ويندفع البوتاسيوم إلى خارجها، الأمر الذي يتطلّب من الدماغ عندئذ العمل على إعادة التوازن.
 

وعندما سألتُ السيد <جيز> هل من الممكن مقارنة هذه العملية بتحطم سيارة، أجاب بأن مقارنتها بحادث تتعرض له غواصة أو قارب هو الأقرب للواقع، حيث تتسرب السوائل في كل مكان، وحيث تكافح طواقم الطوارئ من أجل إيقاف هذا التسرب. وهكذا تسعى المضخات الميكروية (المجهرية) في الخلايا المصابة إلى إعادة الأيونات إلى أماكنها الصحيحة. بيد أن هذه المضخات تحتاج إلى طاقة لتأدية عملها، في الوقت الذي تعاني فيه الخلايا المُجهَدَة أزمة في الطاقة. وفي الوقت ذاته، تحدث فوضى أخرى نتيجة الدمار الذي يلحق بهيكل الخلية بسبب اندفاع الأيونات بسرعة إلى داخلها. ويتابع <جيز> قائلا: «وكأننا هنا نقف أمام مشهد يظهر فيه شخص ما داخل الخلية وبيده منشار يُقطّع به ركائزها ودعاماتها كافة». إضافة إلى ذلك، فإنه من الممكن أن يقوم الكالسيوم المتسلل إلى داخل الخلية بتفعيل إنزيمات قادرة على إطلاق الزناد في الخلية لتدمير ذاتها.
 

وفي حين أن بعض خلايا الدماغ في الحالات الشديدة تتجزأ تماما تحت وطأة الإجهاد، فإن الخلايا المُجهَدة في الحالات الخفيفة الوطأة التي يدعوها <جيز> «بالخلايا التي تُشرف على الموت sublethal» يُمكن لها أن تتعافى. غير أننا لا نعرف تماما حتى الآن كم من الوقت تستغرق عملية التعافي هذه، فهي تستغرق لدى الجرذان مثلا، من أسبوع إلى 10 أيام، علما بأن المقاييس الزمنية لدى البشر هي أطول عموما منها لدى جرذان المختبر، التي يُقدّر مدى عمرها بسنتين فقط. وهكذا، فإن دماغ الإنسان قد يستغرق وقتا أطول في رحلة العودة إلى حالة طبيعية يتمتع فيها بالصحة.
 

وهنا لا بد من طرح السؤال الآتي: ماذا سيحدث للدماغ إذا ما تعرض أثناء فترة نقاهته الضرورية لارتجاج آخر أو أكثر؟
 

من ارتجاجات الدماغ إلى مرض دماغي(***)
 

لقد تبين منذ فترة طويلة أن الضربات المتكررة على الرأس يمكن أن تؤدي إلى اختلال ذهني. واستنادا إلى إفادات الملاكمين فإن هذا الاختلال يتجلى بحالة تشبه حالة السُّكْر. بيد أن العلماء لم يكشفوا النقاب عن وجود هذه المشكلة لدى لاعبي كرة القدم الأمريكية أيضا، إلا في العقد الماضي، حيث نجحوا، إضافة إلى ذلك، وعبر استقصاءات تشريح الجثة، في تحديد الواصمات (الواسمات)(6) الباثولوجية للمرض الذي يُدعى اليوم اعتلال الدماغ الرضي المزمن أو اختصارا (7)(CTE).
 

لا يزال بعض العلماء يستبعدون أو يشكّون في احتمال أن يعاني لاعبو كرة القدم الأمريكية السابقون اكتئابا شديدا أو فقدان ذاكرة أو سلوكا عدوانيا أو تصرفا غريب الأطوار أو خرفا مبكرا نتيجة للضربات المتكررة على الرأس. بيد أن ذلك لا يغيّر شيئا من حقيقة أن عددا مثيرا للقلق من هؤلاء اللاعبين انتحروا أو ماتوا بعد إصابتهم باضطرابات عقلية، ولا يغير أيضا من حقيقة أن عددا آخر من الذين أصابهم المرض يشعرون بالقلق ويتخذون التدابير اللازمة للتبرع بأدمغتهم للبحث العلمي. وأحد أبرز الأمثلة على ذلك هو ما قام به مؤخرا <D. دويرسون> [نجم فريق دببة شيكاغو سابقا] الذي قتل نفسه بإطلاق النار على صدره (وليس على رأسه)، تاركا وصية تقضي بالتبرع بدماغه لبنك الدماغ التابع لاتحاد كرة القدم الأمريكية من أجل البحث العلمي. وكما هو الأمر في العديد من الحالات الأخرى، فقد أظهر استقصاء تشريح الجثة أن <دويرسون> كان مصابا بالاعتلال CTE.
 

عندما يحدث الارتجاج الدماغي، فإن الضرر الذي يلحق بخلايا الدماغ يشبه ما يحصل لغواصة إثر تعرضها لحادث يؤدي إلى تسرب الماء إلى سائر أرجائها.

 

تُعد <ماك كي> واحدة من أبرز العلماء الذين يحتلون موقع الصدارة في البحث العلمي في هذا المجال، وهي التي قامت بتشريح دماغ <دويرسون> وفحصه. كما أنها تشرف على أحد بنوك الدماغ الذي حصل حتى الآن على أكثر من 100 دماغ تم التبرع بها؛ وكان 30 منها تقريبا من اللاعبين السابقين في اتحاد كرة القدم الأمريكية. ويحتوي مَحْفَظُ الجثث morgue في مركز بدفورد سبع مجمِّدات فولاذية مقاومة للصدأ مُحمَّلة بدلاء لتثليج المادة الدماغية. وما أن تصل الأدمغة المُتبرّع بها حتى تبدأ <ماك كي> بأخذ خزعات منها وفحص قطع منها ميكرويا (مجهريّا)، لتبحث عن ترسبات غير سوية لنوعين من البروتينات هما tau و TDP-43. أما باقي النسيج الدماغي فيتم تجميده وتخزينه بدرجة 80- سيلزية بحيث يمكن استخدامه لإجراء أبحاث أخرى.
 

وفي إطار جولة قمتُ بها مؤخرا للمنشأة، استعرضت <ماك كي> معي دماغين وصلا حديثا. كانا يشبهان كتل المرجان الهلامية أو الكائنات التي تعيش في قاع البحار. وكانت <ماك كي> ترتدي زيًّا من الفينيل الأزرق اللون وقفازات مطاطية بيضاء عندما أخذت تقلّب أحد الدماغين وتديره في يديها. وبعد ذلك قامت وبعناية بالغة، باقتطاع شريحة بحجم ظفر الإصبع ووضعها في علبة صغيرة من البلاستيك، حيث يمكن أخذ أجزاء منها لاحقا وتلوينها بالطرق التي تسمح باستقصاء الواصمة tau والواصمة TDP-43 وغيرهما من الواصمات. وقد عُلّقت على الجدار قائمة تضم مناطق الدماغ التي ينبغي اختبارها، وعددها 28. غير أن <ماك كي> أشارت إلى أن اللائحة الفعلية تشمل ما يقارب 40 منطقة.
 

وقد علمتُ من <ماك كي> أن أدمغة لاعبي كرة القدم الأمريكية وليس علماء الصواريخ هي الأكبر حجما من الوسطي، وذلك لأن أجسامهم هي الأضخم. غير أن هذين الدماغين اللذين بين أيدينا هنا ليسا بالحجم الذي يجب أن يكونا عليه، كما تقول <ماك كي>. فالأول لا يتجاوز 1120 غراما، في حين أن وزنه يجب ألاّ يقل عن 1350 غراما. أما الثاني، وصاحبه كان أكبر سنا ولاعبا متقاعدا، فلا يتجاوز وزنه 820 غراما. ومن ثم أشارت <ماك كي> إلى بعض العيوب الظاهرة المتمثلة بغياب أحد الحواجز وبضمور هائل في اللوزة amygdala كاد أن يزيلها.
 

يتطلب الكشف عن الاعتلال CTE من <ماك كي> أن تقوم باستقصاء النسيج الملون مجهريا، فوجود تكتلات بروتين الـواصمة tau داخل خلايا الدماغ، مؤشر على الإصابة بالمرض. وتشير <ماك كي> إلى أن هناك ترابطا بين أجزاء الدماغ المصابة بالـواصمة غير السوية tau وبين المشكلات النفسية التي يعانيها المريض قبل وفاته. وقد كشفت <ماك كي> وجود الواصمة غير السوية tau في القشرة الجبهية، وهي المسؤولة عن ضبط الاندفاعات وعن المحاكمة وأداء المهام المتعددة. كما وجدته أيضا في بنية عميقة من جذع الدماغ تُدعى الموضع الأزرق locus coeruleus المعروفة بعلاقتها بالاكتئاب. أما في مراحل المرض المتأخرة فقد تم العثور على الـواصمة tau في اللوزة المعروفة بدورها بالتحكم في الاندفاعات، وأيضا في الحُصَيْن hippocampus الذي يستمد أهميته من دوره في تشكل الذكريات وحفظها.
 

وبعد سنوات من إنكار اتحاد كرة القدم الأمريكية ومن تشكيك بعض الأوساط العلمية، صار الاعتلال CTE «يلقى الآن قبولا واسعا»، كما تقول <ماك كي> مضيفة: « لقد قطعنا بالتأكيد منتصف الطريق، فأعداد متزايدة من الناس تنضم إلينا». وبالفعل، فحتى اتحاد كرة القدم الأمريكية قد غيّر رأيه ومنح المركز المتخصص بدراسة «اعتلال الدماغ الرضي المزمن» في جامعة بوسطن مبلغ مليون دولار أمريكي تشارك <ماك كي> في إدارتها من أجل الأبحاث.
 

وما النتائج التي توصلت إليها <ماك كي> مؤخرا إلاّ من ثمرات هذا البحث العلمي، ولعلها أكثر النتائج إثارة للجدل. فقد وجدت <ماك كي> وزملاؤها أنه في نحو 13% من حالات الاعتلال CTE التي تمت دراستها كان المتوفى قد شُخِّصَ لديه أيضا مرض التصلب ALS. وهي بلا شك نسبة عالية جدا إذا ما قُورنت بنسبة هذا المرض لدى السكان العاديين، التي يمكن أن تصل عند البالغين منهم إلى نحو 1 بين 400. كما وجدت <ماك كي> بتشريح الجثة في الحالات المذكورة دليلا لايقتصر على وجود الواصمة غير السوية tau، وإنما أيضا، على وجود كمية كبيرة جدا من البروتينات غير السوية TDP-43 التي تتوزع وفق أنماط غير مألوفة.
 

ويبدو البروتين TDP-43 تحت المجهر أشبه بزغب أسود أو بفتات البراغيث. ويوجد هذا البروتين عادة ضمن نوى الخلايا الدماغية. أما عندما تعاني الخلايا أذية ما تصيب محاويرها وتصاب بالمرض، فإن البروتينات تخرج من نواة الخلية إلى السيتوبلازم (الهيولى) cytoplasm حيث تتراكم فيها. وقد تم العثور على البروتين غير السوي TDP-43 عند المصابين بمرض التصلب ALS أيضا. غير أن <ماك كي> تشير إلى أن نمط توزع البروتين TDP-43 كان مختلفا في الأدمغة التي قامت بدراستها، والتي كان أصحابها مصابين، إضافة إلى مرض التصلب ALS، بالاعتلال CTE. فقد عثرت <ماك كي> على رواسب منه في مناطق عدة تشمل سطح الدماغ وحول البطينات وجذع الدماغ، وهو نمط غير نموذجي في مرض التصلب ALS، كما تقول <ماك كي>. وقد دفعها هذا الأمر مع أعضاء فريقها إلى أن تطلق اسما جديدا على هذا المرض، وهو اعتلال الدماغ والنخاع الرضيّ المزمن أو اختصارا (8)(CTEM).
 

وتوضح <ماك كي> بأن بحثها لم يكتمل بعد، فهي لم تَفهم، على ســبيل المثـــال، الـدور الدقيــق الذي تؤديــه البروتينات tau و TDP-43 في التسبب بالأمراض، وما إذا كان لهذه البروتينات أي دور في ذلك أصلا. وتقول <ماك كي> بهذا الصدد: «نحن ما زلنا لا نفهم ذلك حقا»، ثم تضيف قائلة: «لقد أثبتت الباثولوجيا أن هناك مشكلة، ولكنها لم تقدم بعد إجابات على كثير من الأسئلة». ومن بين هذه الأسئلة، كما تفيد <ماك كي> وزملاؤها: لماذا تظهر أعراض هذه الأمراض لدى بعض الناس بصورة سريعة نسبيا، في حين أنها تستغرق سنوات عدة قبل أن تظهر عند بعضهم الآخر؟ لماذا لا يعاني بعض الأشخاص الذين أُصيبوا بارتجاجات دماغية متعددة أية مشكلات على الإطلاق؟ هل الاستعداد الوراثي للإصابة بالاعتلال CTE والاعتلال CTEM لدى بعض الأشخاص أكبر منه لدى بعضهم الآخر؟ وقد تنطبق الأسئلة ذاتها أو ما يشبهها على التدخين وعلاقته بالسرطان. ولا أحد يشك اليوم في أن التدخين يسبب السرطان.
 

قفزة أبعد مما ينبغي؟(****)
 

يجادل كثير من المتخصصين بمرض التصلب ALS في أن تصريحات <ماك كي> وزملائها تنطوي على ادعاءات واسعة لا يمكن تبريرها علميا. ويقول <H .S. أبل> [المدير المساعد للمعهد المنهجي للأمراض العصبية في هيوستن(9)] : «لا شك في أن هناك ثغرة كبيرة في معارفنا»، ثم يضيف: «لا نعرف تماما عدد الارتجاجات الدماغية التي يتطلبها الأمر، ولا ما هي عوامل الاختطار(10). ولنفترض أننا أوقفنا إصابات الارتجاج، فهـل ســيعني هــذا أننا ســـوف لن نشــهد بعد عشــر ســنوات أو خمس عشرة سنة ظهور حالة من الحالات الشديدة الوطأة؟ وهذا يتطلب التفكير بتأن شديد والاستقصاء بعناية بالغة. إنني لا أنتقد الاستعلام الدقيق، ولكنني أنتقد قيام عشرات المرضى بالاتصال بي هاتفيا والذعر يملأ قلوبهم خشية أن تكـون حـالاتـهـم قد شُخِّصت تشخيصا خاطئا.»
 

 

[ردّ فعل متأخر]

موت نورون(*****)

  قد تؤدي أذيّات الدماغ الرضية، بما فيها الارتجاجات الدماغية، إلى إصابة قسم من نوروناته بتنكس يفضي أخيرا إلى موتها بعد سنوات من حدوث الأذية. ففي ما يُسمى اعتلال الدماغ والنخاع الرضي المزمن (11)(CTEM) الذي يشبه داء <لو گيريگ>، تنفصل البروتينات المثبتة tau عن النُّبَيْبات التي هي دعامات هيكلية لمحاوير النورونات الشبيهة بالأسلاك، مما يؤدي إلى تفكك هذه النبيبات وتراكم البروتينات tau وتحولها إلى كتل من الخيوط المتشابكة tangles تفتك بالخلية. وفي الوقت نفسه، فإن البروتينات TDP-43 التي يُعتقد أنها تقوم بتنظيم نشاط الجينات، تنزح من نواة الخلية إلى السيتوبلازم، حيث تشكل هناك كُداسات سامة(12). ويمكن لنزوح البروتينات tau و TDP-4 أن يؤدي إلى تدهور في الوظيفة الخلوية يفضي بدوره إلى موت النورون.

 

 

بيد أن <أبل> و<ماك كي> يتفقان على نقطة واحدة، وهي تتعلق بحقيقة أن مرض التصلب ALS هو متلازمة syndrome، وليس مرضا مفردا، شأنه في ذلك شأن الخرف dementia الذي يمثّل فئة واسعة من الأمراض. فمرض التصلب ALS إذن فئة من الأعراض السريرية، ويعد الاعتلال CTEM من الاضطرابات التي تتوافر فيها الشروط لإدراجها ضمن هذه المتلازمة، كما ترى <ماك كي>، فهو يُشكّل اضطرابا متميزا ويعود سببه إلى ارتجاجات متكررة. وعلى أية حال، فإن <أبل> يرى أن المعلومات المنشورة حتى الآن لا تبرر الحديث عن «قفزة نظرية هائلة.»
 

ويشكّ <أبل> وغيره في صحة ما تذهب إليه <ماك كي>، وهو أن الأدمغة المصابة بتنكس في النورون الحركي التي استقصتها كانت مصابة فعلا بالمرضَيْن معا: التصلب ALS والاعتلال CTE. ويشير هؤلاء النقاد إلى أن أفضل الدراسات العلمية التي كانت تسعى إلى إقامة الدليل على وجود صلة بين الارتجاجات الدماغية ومرض التصلب ALS لم تفلح في ذلك. ويتساءل <أبل> في هذا السياق: «هل من الممكن أن تؤدي الرضوض إلى مرض التصلب ALS؟» ثم يجيب: «بالطبع إن ذلك ممكن، إلا أن كبار الباحثين ما زالوا يدرسون ذلك منذ 30 عاما، ولم يتمكنوا حتى الآن من إثبات شيء من هذا القبيل.»
 

ربّما لا يقوم الناس العاديون بتحليل الفروق الطفيفة والنقاط الدقيقة للعملية العلمية عندما يُقيّمون حالاتهم الشخصية. وفي هذا، من المرجح أن يعتمدوا فقط على ذاكراتهم - ومعارفهم الشخصية بعقولهم وأجسادهم - لتقدير ما حل بهم. فـ <تورنر> وعائلته وأصدقاؤه، مثلا، هم على يقين بأنه مصاب بالاعتلال CTE وأنه بصورة شبه مؤكدة يعاني الاعتلال CTEM أيضا. وقد اطمأنت قلوبهم إلى حدّ ما بعد أن وجدوا تفسيرا للكارثة التي تعرض لها <تورنر>.
 

يقول <تورنر>: «لقد بدأتُ بممارسة رياضة كرة القدم الأمريكية عندما كنتُ في الخامسة من عمري، ثم عشقتُ هذه اللعبة بإخلاص كبير وتفرغتُ لها كليا من الخامسة وحتى الحادية والثلاثين من العمر. كنتُ مدركا أن ركبتيَّ وظهري وعنقي ستكون بالغة السوء عندما سأبلغ الستين من العمر. بيد أن أحدا لم يتحدث إليّ عمّا يمكن أن يصيب دماغي. كانوا يقولون لنا: «اضرب بجبهتك». وهذا هو الأسلوب الوحيد الذي كنت أتقنه.»
 

ويتذكر <تورنر> أنه أصُيب مرتين بارتجاج دماغي وخيم خلال مسيرته الرياضية؛ المرة الأولى، عندما كان يلعب لصالح فريق الوطنيين، والثانية في الفترة التي كان يلعب فيها مع فريق الصقور. ومازال يتذكر أنه واصل اللعب لربع آخر من المباراة بعد الارتجاج الدماغي الثاني، ولكنه غير قادر الآن على تذكر المدينة التي جرت المباراة فيها آنذاك، وهل هي فيلادلفيا أم Green Bay؟ ثم يضيف قائلا: «من الممكن أن يكون دماغي قد اهتزّ 100 مرة، ولكن ما هو الارتجاج الدماغي؟ وما هي معاييره؟ هل هو سماع أجراس تقرع في رأسك؟ أو رؤية بقع أمام عينيك؟ أو شعور بالدوار ينتابك؟ لقد عشت هذا كلّه مرات عديدة وعلى الأكثر في الممارسة.»
 

التعامل مع حكم بالإعدام(******)
 

تُجمع روايات كثيرة على أن <تورنر> كان طفلا يتميز بقدرة كبيرة على التركيز الذهني وتنظيم شؤون حياته. ولم يتغير لديه ذلك وهو بالغ، كما يشهد على ذلك <C. ساندرسون> [صديقه وزميله في السكن والدراسة في جامعة آلاباما] الذي كان يلعب مهاجما جنبا إلى جنب معه، في فريق المد القرمزي لآلاباما Alabama Crimson Tide. يقول <ساندرسون>: «لقد كان <تورنر> دائما طيّبا ومستقيما، يحترم المواعيد ويلتزم بها بدقة»، ثم يضيف: «عندما كنا نسكن في غرفة واحدة كان <تورنر> شديد الحرص على أن يضع كل شيء في مكانه». أما الآن، فقد أصبحت هذه الغرفة التي يتحدث عنها <ساندرسون> بحد ذاتها دليلا صارخا على التغير الذي طرأ على صديقه في السنوات الأخيرة، فعندما يسكن <تورنر> مع عائلة <ساندرسون> في بيتها بين الحين والآخر، فإن أمتعته الشخصية بما تتضمنه من سلال تحوي الثياب والأغطية وغيرها، وبما في ذلك علبة بطاقات كرة القدم، تكون متناثرة في جميع أرجاء الغرفة التي يقطنها. ويُعلّق <ساندرسون> على ذلك قائلا: «لقد لاحظتُ تغيرا جليا في شخصيته، إذ يعيش اليوم فترة عصيبة من حياته إذا طلب إليه أداء مهمة ما من البداية إلى النهاية.»
 

ويقول كل من <ساندرسون> و<جويس> (زوجة <تورنر> السابقة) إن <تورنر> كان يعاني الاكتئاب، وكانا يعتقدان في بداية الأمر أن السبب يعود إلى تقاعده من كرة القدم وانخراطه في أنماط الحياة الاعتيادية وما رافق ذلك من تغيرات في أسلوب حياته العادية. كان <تورنر> يعاني أيضا إدمانا شديدا على مضادات الألم عندما ترك اللعب. وفوق ذلك كله، كانت شركته العقارية قد أعلنت إفلاسها. فليس من العسير أن نتصور إذن، أن هناك صلة بين تلك الصعوبات ومشكلات <تورنر> النفسية، بما فيها نقص التركيز الذهني والاكتئاب. غير أن أصدقاء <تورنر> وعائلته يؤكدون أن المشكلات التي واجهها هي مشكلات مخالفة لطباعه، وينبغي أن يكون لها تفسير آخر، فإخفاقاته الشخصية هي إخفاقات نموذجية نجدها لدى عدد كبير من لاعبي كرة القدم الأمريكية السابقين الذين تبين باستقصاء تشريح الجثة أن أدمغتهم أُصيبت بتبدلات صمغية ناجمة عن بروتينات الـواصمة tau. وترى <ماك كي> أنه قد يكون هناك من يعتبر أن التغيرات الحاصلة في سلوك وشخصيات هؤلاء المرضى «نفسية المنشأ، بيد أنها في حقيقة الأمر ذات أساس بنيوي.»
 

ويقول <تورنر> الذي أنشأ مؤسسة لدعم البحث العلمي في المجال الذي نتحدث عنه: «لقد لَفَتَ الاعتلال CTE انتباهي بالفعل، لا سيما أن لاعبا تلو آخر ممن أعرفهم قد واجهوا المشكلات ذاتها التي أصابتني». ويتابع قائلا: «ما زلت لا أعرف سبب المشكلات التي أعانيها، غير أن الأمر المهم لي هو ألاّ أنسى أنني لست وحيدا، فهناك ما لا يقل عن 14 لاعبا آخر عانوا مشكلات مماثلة: إدمان وطلاق وإفلاس. وما يميزني عن هؤلاء هو أنني أنضوي تحت راية مجموعة خاصة يعاني أفرادها مرض التصلب ALS أيضا. وما يجعلني أشعر بقليل من العزاء هو أنني لست الوحيد الذي تحول بين عشية وضحاها إلى إنسان خاسر.»
 

ولا يمكن كشف الواصمة غير السوية tau إلاّ باستقصاء تشريح الجثة، ولهذا السبب فإن حالة <تورنر> ستبقى غامضة حتى ذلك الحين. وقد قرر <تورنر> أن يتبرع بدماغه وبنخاعه لفريق <ماك كي> للبحث العلمي، علما بأنه وأفراد أسرته واثقون مما سوف تظهره النتائج.
 

ومع كل ذلك، لا يزال <تورنر> يحب لعبة كرة القدم الأمريكية، ولايزال نجلاه <نولان> ذو الأربعة عشر عاما و<كول> الذي يبلغ من العمر ثماني سنوات أيضا يمارسان هذه اللعبة. (ومع ذلك، فقد ابتعد <تورنر> بولديه عن ملاعب كرة القدم في الخريف الماضي، فهو يريد قضاء أطول وقت ممكن معهما ما دام قادرا على استخدام ساقيه، كما أنه لا يود أن يتعرّض ابنه الأصغر للإصابة بارتجاجات دماغية قبل أن يدخل المدرسة المتوسطة على أقل تقدير). ويعيش نجلاه مع أمّهما في منزل قرميدي حديث توجد على طريقه الخلفي منصة للقفز البهلواني trampoline ومسار لألواح التزلج skateboard ramp. ويؤكد <تورنر> قائلا: «إذا كفّ الولدان عن ممارسة رياضة كرة القدم فسوف أكون من السعداء، ولكنني سوف أواجه صعوبة بالغة في إقناعهما بالإقلاع عنها»، ثم يتابع <تورنر> - الذي حافظ على روحه المرحة الساخرة في التعبير عن حالته الصعبة - قائلا: «هناك أشياء ما زالت تحتل حيزا كبيرا في فضاء حياتي، وهي أشياء لا أستطيع أن أكرهها أبدا، شأنها في ذلك شأن زوجتي السابقة التي ما زلت أجد صعوبة بالغة في أن أكرهها.»
 

أما <جويس> فتقول عن نفسها إن الوضع الكئيب بمجمله يغيظها، وتضيف: «لقد كان <تورنر> الرجل المحظوظ الدائم الابتهاج والذي لا تعرف الهموم إليه سبيلا، ثم أُصيب بالاكتئاب بغتة، وكان يرفض أن يعرف أحد شيئا عما يعانيه، ثم فقد قدرته على اتخاذ أي قرار، وعلى تسيير أي شأن من شؤون حياته. وهكذا أضحيتُ كمن يعيش مع طفل رابع أو أخ أو صديق حميم لا هم له سوى إثارة غضبي. وقبل تشخيص مرض التصلب ALS لدى <تورنر> بثلاث سنوات حاول الانتحار. فقد كان عنده بضع بنادق. وقد أخبرني بأنه كان يريد قتل نفسه لشعوره بأنه صار شخصا مختلفا، وقال لي إنه لم ينتحر بسبب الأطفال.»
 

وتابعت <جويس> قولها: «إنني أمقتُ ما أصابه من مكروه جسدي ونفسي بسبب كرة القدم. فعندما كان يتعرض لأذيات رضية في الركبة كان يتلقى العلاج على يد أفضل الجراحين والمعالجين الفيزيائيين. أما عندما كانت تأتيه اللكمات على دماغه هنا وهناك، فقد كان عليه دائما أن يعود بأقصى سرعة ممكنة إلى المباراة، وذلك كما لو كنّا لا نعرف أن التدخين يضر بصحتنا.»
 

ويرى الذين ينتقدون <ماك كي> أن مثال التدخين هنا لا ينطبق تماما على مرض الاعتلال CTEM، حيث يعتقد <C. أرمون> مثلا [وهو رئيس قسم الأمراض العصبية بمركز بايستيت الطبي(13) في سپرينگفيلد – ماساتشوستس وأستاذ طب الجهاز العصبي بكلية الطب في جامعة تافِتس] أن البيانات الخاصة بعلاقة التدخين بالسرطان التي تراكمت على مر العقود منذ عام 1950 هي بيانات أكثر تماسكا من تلك التي قدمتها <ماك كي> وزملاؤها عن الارتجاجات الدماغية وأمراض النورون الحركي. فالبيِّنات - كما يرى <أرمون> - شحيحة، ولا يمكن أن نستنتج منها سوى أن هناك مرضَيْن يمكن أن يتصاحبا ويظهرا معا وهما: الاعتلال CTE ومرض التصلب ALS.
 

ويتابع <أرمون> قائلا: «هناك الكثير من الظلال الضئيلة التي يمكن أن نضفيها إلى البيانات حتى عندما تكون قاطعة الدلالة». ثم يشدد على أنه من الممكن، مثلا، أن تكون الواصمتان tau وTDP-43 مسببتين للمرض الدماغي، ومن الممكن أن تكونا جزءا من آلية الاستجابة الدماغية لمكافحة الأمراض. وإذا افترضنا جدلا أنهما عاملان مسببان، فإن من الممكن أن يكونا قد أسهما في نشوء مرضين مختلفين. ويشير <أرمون> إلى أن «البيانات لا تدعم الفرضية القائلة: إن الاعتلال CTE والاعتلال CTEM هما حلقتان من سلسلة واحدة.»
 

ويتابع <أرمون> حديثه مشددا على أن ما قاله لا يعني على الإطلاق التشكيك في حقيقة أن للارتجاجات الدماغية أضرارا صحية. ولكنه يود أن ينوه بأن «الأمر بات يشكل قضية اجتماعية أيضا، إذن لماذا يشجع المجتمع أنواعا من الرياضة تُعرِّض اللاعبين للإصابة بارتجاجات دماغية متعددة؟ فعصر المصارعين الرومان gladiators قد ولّى إلى غير رجعة، وليس هناك اليوم أي جدال في الأوساط العلمية حول التأثير الضار بالصحة للارتجاجات الدماغية المتكررة.»
 

توافق <ماك كي> على هذه النقطة، ولكنها تعتقد أنها سوف تتمكن من العثور على حلول لها، مشيرة إلى أن عملها العلمي يهدف بالأساس إلى تحقيق فهم أفضل للآليات التي تؤدي الارتجاجات الدماغية من خلالها إلى نشوء تنكس في الدماغ، «الأمر الذي قد يساعدنا بصورة كبيرة على تحقيق فهم أفضل لما نجهله حتى الآن من مداخلات علاجية ممكنة»، كما تقول. أما فيما يتعلق بأشخاص مثل <تورنر> وأسرته، فقد يكون الأمر متأخرا جدا، ومع ذلك فإن ذلك هو الأمل الوحيد، كما تراه <ماك كي>.
 


  مراجع للاستزادة

 

Offensive Play: How Different Are Dogfighting and Football? Malcolm Gladwell in
New Yorker; October 19, 2009.
TDP-43 Proteinopathy and Motor Neuron Disease in Chronic Traumatic Encephalopathy.
Ann C. McKee et al. in Joumal of Neuropathology & Experimental Neurology, Vol. 69,
No. 9, pages 918-929; September 2010.
Concussions: The Hits That Are Changing Football. Peter King in Sports Illustrated,
Vol. 113, No. 16, pages 34-40; November 1, 2010.
Trauma, TDP-43, and Amyotrophic Lateral Sclerosis. Stanley H. Appel et al. in Muscle
and Nerve, Vol. 42, No. 6, pages 851-852; December 2010.
Correspondence Regarding: TDP-43 Proteinopathy and Motor Neuron Disease in
Chronic Traumatic Encephalopathy. Richard S. Bedlack et al. in Joumal of Neuropathology
& Experimental Neurology; Vol. 70, No. 1, pages 96-97; January 2011.
Duerson's Brain Trauma Diagnosed. Alan Schwarz in New York Times; May 2, 2011.
Handling the Rough Game: The Slow Evolution of Sports Medicine. Sara J. Martinez in
The Atlantic; Published online October 17, 2011.


(*)THE COLLISION SYNDROME

(**)HAVOC IN THE BRAIN

(***)FROM CONCUSSIONS TO BRAIN DISEASE

(****)A LEAP TOO FAR?

(*****)Death of A Neuron أو: موت عصبون.

(******)DEALING WITH A DEATH SENTENCE
 

 


(1) Lou Gehrig’s disease
(2) New England Patriots
(3) amyotrophic lateral sclerosis

(4) Journal of Neuropathology & Experimental Neurology

(5) neuron نورون أو عصبون.

(6) markers واصمات ج: واصمة = صفة ملازمة للشيء، أو وسمات ج: وسمة = صفة مميزة.

(7) chronic traumatic encephalopathy

(8) chronic traumatic encephalomyelopathy
(9) the Methodist Neurological Institute in Houston
(10) risk factors

(11) chronic traumatic encephalomyelopathy

(12) toxic aggregates

(13) Baystate Medical Center

 

HyperLink