|
حاسوب القرن الحادي والعشرين
ستكون العناصر المتخصصة في المكونات
المادية والبرامجيات،
والموصولة بالأسلاك وبالأمواج الراديوية
وتحت الحمراء،
غير ظاهرة للعيان مع أنها موجودة في كل
الأمكنة والأوقات.
<M. وايسر>
إن التقانات الأكثر وقعا هي تلك التي تندمج وتتغلغل
في نسج الحياة اليومية للناس، بحيث لا يمكنهم ملاحظة وجودها.
خُذ الكتابة مثلا، كأول تقانة للمعلومات، تجد أن
المقدرة على تمثيل رمزي للغة المنطوقة وحفظها مدة طويلة، قد حرّر المعلومات من
محدودية الذاكرة الفردية. واليوم أصبحت هذه التقانة هي الأشمل زمانا ومكانا لدى
الدول الصناعية. فليست الكتب والمجلات والجرائد هي وحدها التي توصل المعلومات
المكتوبة، بل تشاركها في ذلك إشارات الشوارع ولافتات المحلات التجارية وأغلفة
بعض المنتجات ولوحات الإعلانات وحتى الكتابات الأثرية المنحوتة
graffiti. ولا يتطلب هذا التلقي للمعلومات،
بالاعتماد على "تقانة القراءة والكتابة"، انتباها نشيطا؛ إذ إن المعلومات
المُراد نقلها تكون جاهزة للتلقي من اللمحة الأولى. ومن الصعوبة بمكان تخيل
حياة عصرية على غير هذا النحو.
وبالمقابل، فإن تقانة المعلومات المبنية على عنصر
السليكون مازالت بعيدة عن كونها جزءا من البيئة المحيطة. أما الحاسوب فيبقى في
عالم خاص به، على الرغم من أن أكثر من خمسين مليون حاسوب شخصي قد تم بيعها؛ إذ
لا يمكن التعامل معه إلا من خلال لغة اصطلاحية معقّدة لا صلة لها بالمهام التي
يستخدم الناس الحواسيب من أجلها. وقد يماثل هذا الوضع ما كان عليه الكَتَبَة في
فترة غابرة من الزمن، حيث كان عليهم أن يعرفوا قدرا كافيا عن صناعة الحبر أو
شَيِّ الصلصال كمعرفتهم بالكتابة ذاتها.
إن ما نسعى إليه في مركز بحوث زيروكس پالو ألتو (PARC)
هو جعل الحوسبة جزءا غير مرئي من حياة الناس. لذلك فنحن نحاول تخيل طريقة جديدة
للتفكير في الحواسيب؛ طريقة تأخذ في الاعتبار عالم الإنسان وتسمح للحواسيب
ذاتها أن تتلاشى في خلفية هذا العالَم.
وليس هذا التلاشي نتيجة أساسية للتقانة بل لعلم
النفس البشري. فعندما يتعلم الناس شيئا بشكل جيد وكاف، فإنهم يقلعون عن إدراكه
إدراكا واعيا. فإذا نظرت إلى إشارة شارع، على سبيل المثال، فإنك تستوعب ما فيها
من معلومات من دون شعور بأنك تنفذ عملية القراءة. وفي الحقيقة، فإنه عندما
تختفي الأشياء على هذا النحو، نكون أحرارا في استخدامها من دون تفكير واعٍ
وبالتالي في تجاوزها للتركيز على أهداف جديدة.
إن فكرة اندماج الحواسيب في نسيج حياتنا اليومية
تتنافى مع عدد من التوجهات المعاصرة. "فالحوسبة كلية الوجود"
ubiquitous computing في هذا السياق، لا تعني
بالضرورة أن يكون للحواسيب دور في الشاطئ والغابة والمطار. فحتى أكفأ حاسوب
مفكرة notebook computer متصل بشبكة معلومات
عالمية مازال يركّز الاهتمام على صندوق منفرد. وقياسا على الكتابة، فإن حيازة
حاسوب حُجْري فائق superlaptop يشبه امتلاك كتاب
واحد بالغ الأهمية. وإن تعديل هذا الكتاب بما يتفق مع حاجة صاحبه، أو حتى كتابة
ملايين الكتب الأخرى، لا يمكِّن حتى من الشروع في إمساك زمام القدرات الحقيقية
للتعلم.
إضافة إلى ذلك، فعلى الرغم من أن الحواسيب كلية
الوجود قد تستخدم الصوت والصورة إضافة إلى النص والرسومات، فإن ذلك لا يجعل
منها "حواسيب متعددة الوسائط" multimedia computers.
فالآلات متعددة الوسائط اليوم تجعل من شاشة الحاسوب مركزا للاهتمام، بدلا من
تركها تخبو في الخلفية.
قد تكون فكرة الواقع الافتراضي (الحقيقة المفترضة)
virtual reality التي تحاول تكوين عالم داخل
الحاسوب، الفكرة الأكثر تعارضا مع رؤيتنا. فالمستخدمون هنا يضعون نظارات خاصة
تريهم مشاهد مصطنعة، كما يرتدون قفازات وحتى بزّات خاصة تستشعر حركاتهم
وإيماءاتهم بحيث يتمكنون من التحرك والتحكم بأشياء افتراضية. وعلى الرغم من أن
الواقع الافتراضي قد تحقق هدفه بتمكين الناس من استكشاف عوالم ما كان بإمكانهم
الوصول إليها ـ كداخل الخلايا وسطوح الكواكب النائية والصفحات العنكبوتية
لقواعد البيانات، فإن الواقع الافتراضي يبقى خريطة فقط وليس أرضا حقيقية. فهو
ينحّي جانبا المناضد والمكاتب وأناسا آخرين لا يضعون نظارات خاصة ولا يرتدون
بزّات خاصة أيضا، كما يستثني الطقس والأشجار وطرق التنزه واللقاءات العابرة.
وبشكل عام، لا تدخل في حسبانه الثراء اللامتناهي للعالَم. فالواقع الافتراضي
يركز على توافر معدات هائلة لمحاكاة العالَم أكثر من تعزيز خفي لعالم موجود
أصلا.
وفي الحقيقة، يبدو التعارض بين الواقع الافتراضي
والحواسيب الخفية كلية الوجود تعارضا قويا إلى حد يستخدم بعضنا فيه مصطلح
الافتراضية المجسّدة embodied virtuality للإشارة
إلى عملية إخراج الحواسيب من قواقعها الإلكترونية؛ ودفعها إلى العالم الطبيعي
المحسوس.
كيف تختفي التقانات في الخلفية؟ إن تلاشي المحركات
الكهربائية يمكن أن يستخدم كمثال مفيد في هذا الصدد. فمع بداية القرن، كانت
الورشات أو المصانع النموذجية تحتوي على محرك منفرد يدير عشرات أو مئات من
الآلات المختلفة من خلال منظومة مكوّنة من أذرع التحريك والبكرات. وقد أمكن
للمحركات الكهربائية الفعالة، بسبب رخصها وصغرها ـ أن تؤمن لكل أداة منبعا
ذاتيا لقوة محركة، ثم أمكن وضع عدد من المحركات في آلة واحدة.
إن نظرة واحدة إلى دليل الخدمة لسيارة نموذجية، على
سبيل المثال، تكشف عن وجود اثنين وعشرين محركًا كهربائيا وخمسة وعشرين مِلفًا
solenoid تقوم بتشغيل محرك السيارة وتنظيف
الواجهة الزجاجية وقفل وفتح الأبواب وهكذا. ويمكن بالطبع لسائق سيارة، إذا ما
ركز انتباهه جيدا، أن يحدد متى يدور محرك من تلك المحركات الكهربائية.
إن معظم الحواسيب المشاركة في الافتراضية المجسدة لن
تكون مرئية حقيقة أو مجازا. فها هي الحواسيب الموجودة في مفاتيح الإضاءة
ومنظمات الحرارة وأجهزة الصوت المُجسِّمة والأفران تساعد على تنظيم عالمنا.
فهذه الآلات وغيرها ستكون متصلة بعضها ببعض عبر شبكة كلية الوجود. ومع ذلك،
فإنني وزملائي من علماء الحاسوب ركزنا اهتمامنا على أدوات تقوم بنقل وعرض
المعلومات بشكل مباشر أكثر. ووجدنا موضوعين يتمتعان بأهمية حاسمة ألا وهما:
الموقع (المكان) والمقياس (الحجم). فقلما يضاهي شيء بأهميته الأساسية للإدراك
البشري من ذلك التجاور الفيزيائي الطبيعي. لذلك يترتب على الحواسيب كلية الوجود
أن تعرف مكان وجودها. (وبالمقابل، فليس لدى حواسيب اليوم أدنى فكرة عن موقعها
أو محيطها). فبمجرد معرفة حاسوب للغرفة التي يشغلها، بإمكانه أن يكيّف تصرفه
بطريقة أو بأخرى وحتى من دون الحاجة إلى مقدار ضئيل من الذكاء الصنعي.
ستتوافر حواسيب كلية الوجود بمقاييس وحجوم مختلفة،
يلائم كل منها مهمة خاصة. وقد قمت وزملائي بتصميم وتنفيذ ما نسميه بالبطاقات
tabs والصفحات pads
والألواح boards الحاسوبية. الأولى آلات تقدر
أبعادها بالبوصات وتقارب أبعاد دفتر ملحوظات صغير، والثانية آلات أكبر قليلا
وتكون أقرب إلى قياس صفحة من الورق (أو كتاب أو مجلة)، أما الثالثة فهي شاشات
عرض بمقياس الياردة أي ما يوازي ألواح الكتابة الجدارية أو لوحات الإعلان.
ما عدد البطاقات والصفحات والألواح الحاسوبية
اللازمة للكتابة والعرض في غرفة نموذجية؟ انظر حولك: ستجد ما هو بمقياس البوصة
يشمل الملحوظات الجدارية والعناوين الموجودة على أغلفة الكتب، اللُّصاقات على
أجهزة التحكم وأجهزة معايرة الحرارة والساعات الجدارية إضافة إلى قطع صغيرة من
الورق. وتبعا لحجم ونوع الغرفة، يمكن أن ترى أكثر من مئة بطاقة ومن عشرة إلى
عشرين صفحة ولوحا واحدا أو اثنين. وهذا ما يقودنا إلى هدفنا في نشر وتوزيع أولي
للمكونات المادية للافتراضية المجسدة: أي وجود مئات من الحواسيب في كل غرفة.
قد تبدو فكرة وجود مئات من الحواسيب في غرفة واحدة
مرعبة في البداية، تماما كما كانت ذات مرة فكرة جريان تيار بمئات الڤلطات عبر
أسلاك كهربائية في جدار. لكن مئات الحواسيب هذه ستكون خفية، تماما كما هي حال
الأسلاك داخل الجدران. وبشكل عفوي سيستخدم الناس هذه الحواسيب في إنجاز أعمالهم
اليومية.
تعتبر البطاقات الحاسوبية أصغر عناصر الافتراضية
المجسدة. ولأنها مترابطة بعضها مع بعض، فإنها ستعمل على توسيع فائدة الحواسيب
المتوافرة ذات قياس البوصة الواحدة تقريبا، وذلك كما تفعل الآلة الحاسبة
والمُنظّم الجيبي pocket
organizer. وستقوم هذه البطاقات بوظائف يعجز عن أدائها حاسوب اليوم.
فعلى سبيل المثال، يعكف علماء الحاسوب في كل من مركز بحوث زيروكس ومختبرات بحوث
أخرى موزعة حول العالم على التعامل مع بطاقات صدْرِيَّة فعالة
active badges، طُوِرت في البدء من قبل مختبر
بحوث أوليڤتي كامبريدج، وهي حواسيب يوازي قدّها بالتقريب قدّ البطاقة الشخصية.
ويمكن لهذه البطاقات التعريف بنفسها لمسُتقبِلاتٍ موزعة في أرجاء المبنى بما
يتيح تتبع أثر الناس أو مكان الأشياء التي تحمل هذه البطاقات.
ومن خلال تجاربنا على الافتراضية المجسدة، نجد أن
الأبواب لا تفتح إلا لحامل الشارة الصدرية الصحيحة، وتُحيي "الغُرف" الناسَ
بأسمائهم. كما يمكن تحويل المكالمات الهاتفية آليا إلى أي مكان يوجد فيه
المُستقبِل. كما يعرف موظفو الاستقبال تمام المعرفة مكان وجود الأفراد، وتسترجع
المحطات الحاسوبية الطرفية خيارات من يتعامل معها، وتقوم مفكرات المواعيد
بالتسجيل ذاتيا. وتوضح المفكرة الآلية كيف يمكن لمهمة بسيطة، كمعرفة مكان وجود
الناس، أن تعود بفوائد معقدة: فالاجتماع، على سبيل المثال، هو عبارة عن وجود
عدد من الأفراد خلال فترة معينة في غرفة واحدة، وموضوع الاجتماع هو في أغلب
الأحيان ما يتم استدعاؤه من ملفات لعرضها على شاشة قاعة الاجتماع خلال وجودهم
فيها. ولا حاجة هنا إلى أية ثورة في مجال الذكاء الصنعي، فالمطلوب هو مجرد
إدخال حواسيب في حياتنا اليومية.
لقد صمّم زميلي <R
.وانت> بطاقة تندمج فيها شاشة عرض صغيرة يمكن أن تعمل في آن واحد كشارة صدرية
فعالة وتقويم سنوي (روزنامة). كما يمكنها أن تساعد في توسيع رقعة شاشات عرض
الحواسيب: فبدلا من تقليص نافذة برنامج program window
إلى مساحة أيقونة صغيرة على الشاشة، يمكن ـ على سبيل المثال ـ للمستخدم أن
يقلّص النافذة ويضعها على شاشة البطاقة تاركا شاشة الحاسوب جاهزة لعرض
المعلومات فقط ومتيحا بذلك للمستخدمين تنظيم مشروعاتهم المهيأة حاسوبيا في جوار
محطاتهم الطرفية تماما كما ينظمون الآن مشروعاتهم المهيأة ورقيا والمكدسة على
المكاتب والطاولات. إن حمل مشروع ما من مكتب لآخر بقصد مناقشته سيكون بسهولة
تجميع بطاقاته نفسها، إذ يمكن استدعاء برامج وملفات المشروع من أي محطة حاسوب
طرفية.
تعتبر الصفحة الحاسوبية المرحلة التالية من حيث
المقياس، إذ إن قدّها يتراوح ما بين الورقة العادية والحواسيب الحُجْرية
والكفّية palmtop المستخدمة حاليا. وقد تمكن <R.
كريڤاكيتش> (من مركز بحوث پالو ألتو) من صنع نموذج أولي لصفحة تستخدم معالجيْن
مكرويين وشاشة بحجم محطة عمل workstation وقلما
متعدد الأزرار وشبكة راديوية تمتلك عرضا كافيا من عُصبة موجات الاتصالات تسمح
بتلبية احتياجات مئات من الأدوات لكل شخص وكل غرفة.
تختلف الصفحة عن الحواسيب المحمولة التقليدية في
مجال مهم واحد. فبينما تنتقل الحواسيب المحمولة إلى أي مكان مع أصحابها، تُعتبر
الصفحات التي يجب نقلها من مكان إلى آخر خطأ أو نقيصة. فالصفحات مُعدّة أصلا
"كحواسيب قُصاصات" scrap (على غرار قُصاصات أوراق
المسودة) يمكن لأيٍّ كان أن ينتزعها ويستخدمها في أي مكان، إذ إنها لا تمتلك
أية خاصية أو أهمية محددة.
البطاقات الصدرية الفعالة
|
بطاقة (شارة) صدرية فعّالة: تحتوي هذه البطاقة، التي
تبشّر بحواسيب بمقياس بوصة واحدة، على معالج مكروي صغير ومُرسِل بالأشعة تحت
الحمراء. تُعلِن البطاقة عن هوية حاملها بما يسمح بتشغيل الأبواب وتحويل
الهواتف الآلية وعرض الشاشات الحاسوبية وفق متطلبات الشخص القارئ لها.
|
يمكن اعتبار الصفحات الحاسوبية كترياق "للنوافذ".
فقد تم اختراع النوافذ في مركز بحوث پالو ألتو وعُممت من قبل شركة أپل في
منظومات ماكنتوش كوسيلة لجمع متزامن لعدة نشاطات في حيّز صغير على شاشة
الحاسوب. لم تتسع شاشات الحواسيب طوال عشرين عاما اتساعا يذكر. وغالبا ما يقال
إن منظومة النافذة قد صممت أصلا لتلائم فكرة حاسوب مكتبي
desktop ـ لكن من الذي يعمد إلى استخدام مكتب ارتفاعه 9 بوصات وعرضه 11
بوصة فقط؟
وبالمقابل، فإن الصفحات الحاسوبية تستخدم طاولةَ مكتب حقيقية حيث يمكنك توزيع
عدد كبير من هذه الصفحات عليها، تماما كما تقوم بتوزيع صفحات ورقية. ويمكنك أن
تضع أمامك العدد الذي تشاء من المهام وتستخدم الصفحات الحاسوبية كمذكرة. تَجاوز
الطاولة إلى الدروج والرفوف وطاولات القهوة. افرشْ الأجزاء المتعددة من مهام
اليوم الكثيرة أمامك بحيث تتلاءم مع المهمة ومع مدى ذراعيك ومَدِّ بصرك أكثر من
تلاؤمها مع محدودية الشاشة الزجاجية. وقد يأتي يوم تغدو فيه الصفحات الحاسوبية
هذه في صغر وخفة الورق العادي. ويصبح في وسعها أن تقوم بالعديد من وظائف الورق
أكثر من قدرة شاشات الحاسوب على ذلك.
أما اللوحات (شاشات العرض بمقياس الياردة) فهي تفي
بعدد من الأغراض: ففي المنزل، هناك شاشات الڤيديو ولوحات الإعلان؛ وفي المكتب
هناك لوحات الإعلان والألواح البيضاء والخرائط. ويمكن أن يستخدم لوح أيضا يقوم
مقام خزانة كتب إلكترونية يمكّنك أن تنتقي منه نصوصا تحمّلها على صفحة أو
بطاقة. ومع ذلك تبقى القدرةُ في الوقت الحاضر على انتقاء كتاب ووضعه براحة على
حِجْرِك واحدةً من أهم مزايا الورق. وثمة اعتراضات مماثلة إزاء استخدام لوح
كحاسوب مكتبي. فقد يعني هذا أن على الأفراد أن يعتادوا على وضع الصفحات
والبطاقات فوق منضدة كملحق لشاشات الحواسيب قبل المضي قدما بالافتراضية
المجسدة.
تستخدم النماذج الأولية (البدئية)
prototype للألواح، التي صمّمها . <R.
بروس> و <S . إلرود> في العديد من مختبرات بحوث
زيروكس. وتقدر أبعادها بـ 40× 60 بوصة وتعرض 1.024× 768 عنصورة(1) (پيكسل)
pixle بيضاء وسوداء. ويمكن للمُستخدِم كي يشغل
الشاشة أن يلتقط قطعة من "الطباشير" الإلكترونية اللاسلكية التي تعمل إما
بالتماس مع السطح أو عن بعد. ويستطيع بعض الباحثين، ممن يستخدمون أنفسهم
وزملاءهم كحقل تجارب، أن يعقدوا اجتماعات بوساطةٍ إلكترونية أو ينخرطوا في شكل
آخر من أشكال التعاون حول لوح (حاسوبي) حي. وقد يستعمل آخرون الألواح كركائز
اختبار المكونات المادية للشاشات المحسّنة، و"الطباشير" الجديدة والبرامجيات
التفاعلية (التحاورية) interactive.
ولأسباب واضحة ودقيقة في آن معا، يبدو أن البرامجيات
التي تبث الحياة في شاشة عرض كبيرة مشتركة و"طبشورتها" الإلكترونية ليست هي
ذاتها المستخدمة في محطة عمل. كذلك فإن التنقل بين الطبشورة ولوحة المفاتيح عدة
مرات قد يتطلب السير عدة خطوات، وبهذا تكون العملية مختلفة نوعا ما عن استخدام
لوحة المفاتيح والفأرة. إضافة إلى ذلك فإن أبعاد اللوح هي قضية بحد ذاتها؛ إذ
لا يقدر كل فرد أن يصل إلى أعلى اللوح، ولهذا قد يتوجب أن يعرض شريط خيارات
menubar وفق أسلوب ماكينتوش في أسفل الشاشة.
لقد قمنا بصنع عدد كاف من الألواح الحية للاستخدام
الاعتيادي ووزعناها في قاعات اجتماعات وفي أمكنة مفتوحة للجميع ودونما حاجة إلى
توقيعٍ أو إذنٍ مسبق. وبصناعة واستخدام هذه الألواح، يبدأ الباحثون باختبار ومن
ثَمَّ فهم عالَم يُعزِّز فيه التفاعل الحاسوبي العفوي كلَّ قاعة. كذلك يمكن
المشاركة في الاستفادة من الألواح الحيّة عبر الغرف كما في داخلها. وفي تجارب
أجراها باحثون من المركز PARC، استطاعت مجموعات
في مواقع بعيدة عن بعضها، أن تجتمع حول ألواح ـ يعرض كل منها الصورة نفسها ـ
وأن تركب معا صورا ورسوما؛ بل لقد تمكن هؤلاء من المشاركة في لوحين عبر المحيط
الأطلسي.
ويمكن استخدام الألواح الحية كلوحات إعلان. فهناك
الكثير من النصوص التي على الناس قراءتها وفهمها بكاملها. لهذا طور باحثون من
مركز بحوث PARC منظومة أولية تكيّف معلوماتها
العامة حسب الأشخاص الذين يقرؤونها. ولا تتطلب "لوحة النتائج" من المستخدِم
كثيرا من التدخل أو لا شيء منه، اللهم إلا أن ينظر ويحمل بطاقة صدرية فعالة.
يمثل النموذج الأولي للبطاقات والصفحات والألواح
(الحاسوبية) مجرد البداية للحوسبة الكلية الوجود. ولا تبرز القوة الحقيقية لهذا
المفهوم من أي من الأدوات الآنفة الذكر بل من التفاعل فيما بينها. فمئات
المعالِجات والشاشات ليست مجرد "واجهة اتصالية للمستخدم" كالفأرة والنافذة، بل
"مكانا" بهيجا فعالا لإنجاز الأعمال.
وما سيصبح فعالا ومبهجا أكثر هو قدرة البطاقات
الحاسوبية على بث الحياة وتنشيط أشياء كانت خاملة من قبل. كما يمكنها أن تُصدر
طنينا خاصا للمساعدة على تحديد أماكن وجود أوراق أو كتب أو أشياء أخرى وضعت في
غير موضعها. ويمكن لأدراج الملفات أن تفتح لتبيّن الملف المطلوب من دون تكبّد
عناء البحث عنه. وتستطيع البطاقات الحاسوبية في فهارس المكتبة أن تعمل خرائط
فعّالة لأي كتاب وأن ترشد الباحثين إليه حتى وإن لم يكن على الرف بل تُرك على
منضدة من قبل آخر قارئ له.
وخلال تقديم المحاضرات تجد أن حجم النص في الصفحة
الواحدة، وارتفاع الصوت المضخم، وحتى شدة الإنارة في القاعة، يمكن تحديدها ليس
عن طريق التخمين بل وفق رغبات المستمعين في هذه القاعة في تلك اللحظة. وتتوافر
من قبل أدوات برامجية تستخدم لعدّ فوري للأصوات وحساب نسبة الأغلبية في قاعات
اجتماعات إلكترونية تمتلكها بعض المؤسسات الكبيرة، ويمكن للبطاقات أن توسع هذا
الاستخدام وتنشره.
تأتي التقانة اللازمة لحوسبة كلية الوجود في أجزاء
ثلاثة: حواسيب رخيصة الثمن تستهلك طاقة قليلة وتشمل شاشات ملائمة، وبرامجيات من
أجل تطبيقات شاملة، وشبكة تربط بينها. وتشير التوجهات الحالية إلى إمكانية
تحقيق أول هذه المتطلبات بيسر. فقد شاع حاليا استخدام شاشات عرض مسطحة ذات
480×640 عنصورة (پيكسل) سوداء وبيضاء. وهذا هو القدّ القياسي للحاسوب الشخصي،
كما يكاد يكون القدّ المناسب للتلفزيون. ومع ازدياد الطلب على الحواسيب
الحُجْرية والكفّية والمفكرية، تتدنى أسعار شاشات العرض ويتحسّن مَيْزُها
resolution وجودتها. وفي نهاية هذا العقد فإن
شاشة عرض ذات تباين contrast عالٍ و100×800
عنصورة، ستصبح سماكتها جزءًا من السنتيمتر، وربما يصبح وزنها 100 غرام.
وستمكِّن بطارية صغيرة من استمرار عمل الشاشة لعدة أيام.
تشكل شاشات العرض الأكبر مسألة مختلفة إلى حد ما.
إذا كان لشاشة حاسوب تفاعلي أن تضاهي لوحا أبيض في فائدته، فعليها أن تكون
مرئية من مسافة ذراع وعبر غرفة أيضا. وفي حالات المشاهدة عن قرب، يتحتم ألا
تكون كثافة عناصر الصورة أسوأ مما هي على شاشة أي حاسوب قياسي، أي نحو 80 في
البوصة. إن المحافظة على كثافة 80 عنصورة في البوصة الواحدة على سطح يقدر ضلعه
بعدد من الأقدام، يعني عرض عشرات الملايين من العنصورات. ولشاشة أكبر حاسوب صنع
حتى الآن نحو ربع هذه السعة فقط. وقد تكون مثل هذه الشاشات الواسعة غالية الثمن
غير أنه يتحتم توافرها.
تحتاج الشاشات الواسعة إلى معالجات مكروية متقدمة لعملها. وقد وصلت سرعة وحدة
المعالجة المركزية إلى مليون تعليمة instruction
في الثانية عام 1986 وتتضاعف باستمرار كل عام. وفي عام 1991 كان بعض المراقبين
الصناعيين يرون أن هذا التزايد الأُسّي في سرعة الشِّيپَّة
chip الخام قد يصل إلى نهايته نحو عام 1994، وأن
مقاييس أخرى للأداء بما في ذلك استهلاك الطاقة والوظائف المساعدة، ستتحسن.
وعندئذ قد يمكن لشاشة عرض مسطحة وزنها 100 غرام أن تُسيَّر بوساطة معالج مكروي
يُنفذ بلايين العمليات في الثانية الواحدة ويحتوي على 16 ميگابايت من الذاكرة
الموضعية إضافة إلى واجهات اتصالية للصوت والڤيديو والشبكات. وسيستهلك مثل هذا
المعالِج وسطيا بضعة أجزاء في المئة من الطاقة التي تحتاج إليها الشاشة.
أما وسائط التخزين المساعدة فستزيد من سعة الذاكرة
الرئيسية. فالاستقراءات المحافظة للتقانات الراهنة تشير إلى أن الأقراص الصلبة
القابلة للتبديل removable (أو شيپات الذاكرة
الدائمة nonvolatile) التي يقدر حجمها بحجم علبة
ثقاب رقيقة، ستخزن الواحدة منها نحو 60 ميگابايت. وستصبح الأقراص الأكبر، التي
تحتوي على عدة گيگابايت من المعلومات، هي الأقراص القياسية. كما سيغدو التخزين
بسعة التيرّابايت ـ تقريبا سعة البيانات التي تحويها مكتبة الكونگرس ـ أمرا
عاديا. وقد لا تملأ بالضرورة هذه المخزنات الهائلة بسعتها الكاملة بمعلومات
قابلة للاستعمال، بل ستسمح وفرة السعة باستخدام استراتيجيات مختلفة جذريا
لإدارة المعلومات. فقرص التخزين بسعة التيرّابايت مثلا سيجعل إلغاء الملفات
القديمة غير ضروري في الواقع.
وعلى الرغم من أن المعالِجات وشاشات العرض يجب أن
تكون قادرة في نهاية العقد الحالي على تقديم حوسبة كلية الوجود، فإن التوجهات
الحالية في البرامجيات وتقانة الشبكات تبدو أكثر تعقيدا. فالتنفيذ الحالي
"للحوسبة الموزعة" distributed computing يجعل
ببساطة مُخدِّمات الملفات المُشبَّكة والطابعات أو غيرها من الأدوات تبدو
وكأنها مرتبطة بشكل مباشر بحاسوب كل مستخدم. ولا يفيد هذا المنحى مع ذلك في
استغلال القدرات الفريدة للحواسيب الموزعة مكانيًا والمعلومات المتجسدة في
معرفة مكان وجود أداة معينة.
يتوجب على منظومات تشغيل الحاسوب وبرامجيات العرض
المقامة على أساس النوافذ windows أن تتغير بشكل
جوهري. فتصاميم منظومات التشغيل الحالية، مثل نظام DOS
أو Unix، تنطلق من الافتراض بأن شكل وترتيب
البرامجيات والمكونات المادية للحاسوب لن يتغيرا بشكل جوهري خلال عملها. ويبدو
هذا الافتراض معقولا بالنسبة للحواسيب الرئيسية
mainframes التقليدية والحواسيب الشخصية، إلا أنه لا يعني شيئا في حوسبة
كلية الوجود. يمكن للصفحات أو البطاقات أو الألواح (الحاسوبية) أن تدخل أي غرفة
أو تخرج منها في أي وقت، وسيكون من المستحيل أن توقف جميع الحواسيب في غرفة من
أجل تركيب برامجيات جديدة في إحداها. (بل قد يستحيل وجود جميع الحواسيب في غرفة
واحدة.)
قد يكون أحد الحلول استخدام منظومات تشغيل ذات
لُبابة مكروية (كِرنل مكروي) micro-kernel كتلك
التي طورها <R.رشيد> في جامعة كارنيگي مِلّون و <S
.A. تانّن باوم> من جامعة فيرجي في أمستردام. وتحتوي هذه المنظومات
التجريبية على أقل ما يمكن من التركيبات لكود حاسوبي ثابت، ويمكن بسهولة إضافة
أو إلغاء وحدات قياس برامجية للقيام بمهام محددة. كما يمكن لمنظومات التشغيل
المستقبلية المبنية على هذا المبدأ أن تتقلص أو تنمو بشكل آلي بحيث تتلاءم مع
الاحتياجات المتغيرة لحوسبة كلية الوجود.
كذلك فإن المنظومات الحالية للعرض بطريقة النوافذ
غير مهيأة للتلاؤم مع حوسبة كلية الوجود. فهي تفترض كالعادة أن يعرض الحاسوب
جميع المعلومات من أجل تطبيق واحد. وبالرغم من أن نظام النوافذ
X والنوافذ 3.0 مثلا يستطيع أن يتعامل مع شاشات
متعددة، فإنه لا يفلح كثيرا في الاستعمالات التي تبدأ بشاشة واحدة وتنتقل إلى
أخرى. وينجح أقل من ذلك عندما يجول بين حاسوب وآخر أو غرفة وأخرى.
تكاد تكون حلول هذه المشكلة في مراحلها الأولى. فمن
المؤكد أنه لا يوجد حاليا أي نظام عرض قادر على الأداء الجيد عندما يتعامل مع
تنوع كامل لأشكال المدخل (الدَخْل) والمخرج (الخَرْج) التي تتطلبها الافتراضية
المجسدة. فجعل الصفحات والبطاقات والألواح تعمل معا بشكل متناغم، سيتطلب
تغييرات في نوعية "البروتوكولات" التي تتخاطب عبرها برامج التطبيق ونوافذها
المعروضة.
طرح الشبكة التي يترتب عليها ربط المكونات المادية
والبرامجيات في كل الأمكنة والأوقات تحدّيات إضافية؛ إذ تتزايد بسرعة معدلات
نقل البيانات لكل من الشبكات السلكية واللاسلكية. لقد أصبحت إمكانية الوصول إلى
شبكات سلكية ذات معدّل گيگابتة في الثانية
gigabit-per-second أمرا ممكنا بالرغم من تكلفته العالية حاليا، والتي
يتوقع تدنيها تدريجيا. (لن تُكرِّس شبكات الگيگابتة هذه كل عرض عُصْبتها لدفْق
منفرد من البيانات إلا فيما ندر؛ وبدلا من ذلك فإنها ستسمح لأعداد هائلة من
الدَفْقات ذات السرعات الأخفض بالتقدم في آن واحد). وفي الوقت الحالي توفر
شبكات لاسلكية صغيرة، تعتمد على مبادئ الهاتف الخلوي الرقمي
digital cellular telephone، معدلات بيانات
تتراوح ما بين 2 و 10 ميگابتة في الثانية على مدى بضع مئات من الأمتار. وفي
نهاية المطاف ستصبح الشبكات اللاسلكية المنخفضة الطاقة والقادرة على نقل 250000
بِتة في الثانية إلى كل محطة، متوافرة تجاريا.
ومع ذلك فإن مشكلة الربط بشكل شفاف بين شبكات سلكية
وأخرى لاسلكية مازالت عصية الحل. وعلى الرغم من أنه تم تطوير بعض الطرائق
البديلة، فإنه يتحتم على المهندسين تطوير بروتوكولات اتصال جديدة تعترف بجلاء
بفكرة الآلات التي تتحرك في فضاء مادي. كذلك فإن عدد الأقنية التي يتم تصورها
في معظم مخططات الشبكات اللاسلكية مازال صغيرا جدا، ومازال المدى واسعا (50 إلى
100 متر)، وبذا يكون العدد الكلي للأدوات المتحركة محدودا للغاية. وتصبح قدرة
منظومة كهذه على دعم مئات الآلات في كل غرفة أمرا غير وارد. وتمتلك شبكات
الغرفة الواحدة العاملة وفق تقانات الأشعة ما تحت الحمراء أو التقانات
الكهرمغنطيسية الجديدة، سعةَ أقنية تكفي للحواسيب كلية الوجود. لكن هذه الشبكات
لا تعمل إلا في الأماكن المغلقة.
وقد تحتاج التقانات الحالية إلى أداة متحركة ليكون
لديها ثلاثة أنواع مختلفة من الربط الشبكي: لاسلكي بمدى قصير جدا، لاسلكي بمدى
طويل، وسلكي بسرعة عالية جدا. ومازلنا ننتظر اختراع نوع واحد من الربط الشبكي
يمكنه تلبية متطلبات هذه الوظائف الثلاث جميعها.
لن يتمكن شرح لمبادئ حوسبة كلية الوجود ولا قائمة
بالتقانات المستخدمة أن تعطي فكرة حقيقية عما سيكون عليه حالُك حين تعيش في
عالم ممتلئ بمخلوقات خفية. إن أية محاولة لاستقراء الافتراضية المجسدة اعتمادا
على العناصر الأولية المتوافرة اليوم ستشبه محاولة التكهن بنشر رواية فينّگانز
ويك(2) Finnegans Wake بعد فترة وجيزة من عهد
الكتابة على أول الألواح الطينية، ومع ذلك قد يستحق هذا الأمر العناء المبذول
من أجله.
تستيقظ سلوى، تشم رائحة القهوة. قبل بضع دقائق كانت
ساعة منبهها، التي تنبهت إلى تقلبها المتململ الذي سبق استيقاظها، تسألها بهدوء
"قهوة؟". وغمغمت قائلة "نعم".... "نعم" و "لا" هما الكلمتان الوحيدتان اللتان
تفهمهما ساعة المنبه.
تنظر سلوى من خلال "نوافذها" إلى الجوار. فمن إحداها
ترى ضوء الشمس وأحد الأسوار. ومن الأخرى تشاهد آثارًا إلكترونية، حُفِظَت لها،
لحركة جيرانها القادمين والمغادرين في الصباح الباكر؛ إذ إن خصوصية الأفراد
والمعدلات العملية للبيانات تمنع عرضا ڤيديويا لهذه الآثار، في حين أن العلامات
الزمنية والمسارات الإلكترونية المرسومة على خريطة الجوار تسمح لسلوى بالشعور
بالراحة والاطمئنان في شارعها.
تلقي سلوى نظرة عجلى عبر "النوافذ" إلى غرف أولادها،
لترى بأنهم قد استيقظوا قبل ما بين 15 و 20 دقيقة وأنهم الآن في غرفة المطبخ،
وها هم الآن قد بدؤوا بإحداث مزيد من الضجيج بعد أن عرفوا أنها قد استيقظت.
خلال تناولها الإفطار، تقرأ سلوى الأخبار. وهي
مازالت تفضل الشكل الورقي للصحف كما يفعل معظم الناس. تكتشف سلوى اقتباسا مهما
لمحرر عمود خاص في صفحة التجارة والأعمال. تمسح بقلمها (الإلكتروني) اسم
الجريدة وتاريخها ورقم الصفحة ومن ثم تؤطر بقلمها ذلك الاقتباس، فيبعث القلم
رسالة إلى مقر الصحيفة التي تَبثُ بدورها الاقتباس إلى مكتب سلوى.
تصلها رسالة بالبريد الإلكتروني من شركة كانت قد
صنعت رِتاج باب مرآبها الآلي. فقد أضاعت كُتيبَ التعليمات الخاص بهذا الرتاج
وطلبت إلى الشركة تزويدها بكتيب جديد. لبّت الشركة طلبها وبعثت إليها إضافة إلى
ذلك شيئا غير متوقع: طريقة للكشف عن كتيبها القديم الضائع. وتبعا للمذكرة التي
وردتها من الشركة، عليها أن تزود الرتاج بكود code
معين وعندئذ سيعلن الكتيب الضائع عن مكانه. في المرآب، تتقصّى سلوى صوت طنين
الكتيب لتجده خلف بعض الصناديق وقد تلوث بالزيت. ومن المؤكد أن صانع الرتاج قد
ثبّت بطاقة (حاسوبية) صغيرة في غلاف الكتيب ليجنب الشركة طلبات بالبريد
الإلكتروني كالذي وردها من سلوى.
في طريقها إلى العمل، تنظر سلوى إلى مرآة تمكِّنها
من معرفة حالة المرور. تلاحظ تباطؤا ينتظرها في حركة السير، كما تنتبه إلى
إشارة مرور خضراء في شارع فرعي لمخزن أطعمة. تقرّر أن تأخذ مخرج الطريق التالي
لتتناول فنجانا من القهوة تفاديًا لازدحام حركة المرور.
وما إن تصل سلوى إلى عملها حتى تساعدها المرآة على
العثور بيسر على مكان لوقوف سيارتها. وعند دخولها المبنى، تستعد الآلات في
مكتبها لتسجيل قدومها، إلا أنها لا تكمل ترتيبات التسجيل إلا عند دخولها الفعلي
إلى مكتبها. وفي طريقها إلى المكتب، تقوم سلوى بزيارة أربعة أو خمسة زملاء لها
في مكاتبهم لتتبادل معهم التحيات وآخر الأخبار.
تُلقي سلوى نظرة عجلى على "نوافذها": سيكون اليوم
مكفهرا في وادي السليكون Silicon Valley، إذ تبلغ
الرطوبة النسبية 75 في المئة وهناك احتمال يقدر بـ 40 في المئة لهطول أمطار بعد
الظهيرة؛ بينما كان الصباح هادئا في مكتب الساحل الشرقي. وعادة ما يكون مؤشر
النشاط اليومي activity indicator قد أشار في مثل
هذا الوقت إلى اجتماع طارئ وعاجل واحد على الأقل.
يُومض مؤشر على باب مكتب سلوى، كانت قد برمجته في
اليوم الأول من عملها: قهوة طازجة وتتجه إلى آلة المشروبات.
ولدى عودتها إلى مكتبها تلتقط بطاقة (حاسوبية)
و"تُلوِّح" بها إلى زميلها جابر من مجموعة التصميم، الذي يشاركها العمل في إحدى
المهام الموكلة إليهما. يشترك الاثنان في مكتب "افتراضي" لبضعة أسابيع. ويمكن
لهذه المشاركة أن تتخذ عدة أشكال ـ في هذه الحالة، أعطى أحدهما للآخر حرية
الوصول إلى مِكْشاف أماكنهما location detector
ولمحتوى وموقع شاشتيهما. وتفضل سلوى أن تبقي تحت ناظريها نسخا مصغرة بأبعاد
ثلاثية صحيحة لكل البطاقات والصفحات الخاصة بجابر، تضعها في مجموعة صغيرة من
البطاقات في الزاوية الخلفية لمكتبها.
تُصدر بطاقة فارغة على مكتب سلوى طنينا وتُعرَض كلمة
"جابر". فترفع سلوى البطاقة وتلوح بها أمام لوحها الحي. يود جابر أن يناقش معها
إحدى الوثائق التي تظهر الآن على الحائط، بينما تسمع هي صوته قائلا: "أمضيت
الصباح برمَّته وأنا أصارع الفقرة الثالثة من هذه الوثيقة ولم أفلح في صياغتها
صياغة صحيحة. هل يُمكنكِ قراءتها من فضلك؟"
تجلس سلوى مستريحة وتقرأ الفقرة وتجد أنها تود
الإشارة إلى كلمة. تلوِّح مرة ثانية ببطاقة "جابر" أمام صفحة بالقرب منها ثم
تستخدم القلم في رسم دائرة حول الكلمة المنشودة:
أعتقد أن المشكلة تكمن في المصطلح "كلية الوجود"
ubiquitous. فهو لم يدخل لغتنا المَحْكية بما فيه
الكفاية، لذلك فإنه يضفي طابعا من الرسمية على هذه الفقرة برمتها. هل يمكننا
إعادة صياغة الجملة بحيث نسقطه منها؟"
"سأحاول ذلك، بالمناسبة يا سلوى. هل اتصلت بك ماري
الهواري؟"
"لا، ومن تكن ماري هذه؟"
"هل تذكرين. كانت حاضرة في اجتماع الأسبوع الفائت،
ولقد أخبرتني أنها ستتصل بك."
إن سلوى لا تتذكر ماري، وإن كانت تتذكر الاجتماع إلى
حد ما. تبدأ بسرعة في البحث عن محاضر الاجتماعات التي عقدت خلال الأسبوعين
المنصرمين والتي تضمنت ذكر أسماء أكثر من ستة أشخاص لم يحضروا الاجتماعات
السابقة، وتجد ضالتها. تظهر أسماء الحضور، وترى سلوى اسم ماري بينهم.
وكما هو متعارف في الاجتماعات، كانت ماري قد زودت
الحاضرين ببعض البيانات من سيرتها الذاتية، استشفت منها سلوى بعضا من خلفية
مشتركة بينهما. سترسل لماري بضعة سطور حول ذلك. وكانت سلوى مسرورة لأن ماري لم
تقدم سيرتها الذاتية خلال فترة الاجتماع فقط، كما يفعل الكثيرون.
يُبين هذا السيناريو، إضافة إلى الطرق التي يمكن
فيها للحاسوب أن يتغلغل خفية إلى حياة الناس، جوانب ومسائل اجتماعية قد تولدها
الافتراضية المجسدة، وقد تكون أهمها مسألة خصوصية
privacy الفرد. فوجود مئات من الحواسيب في كل غرفة مهيأة لاستشعار من
يحيط بها من الناس ومتصلة بشبكات عالية السرعة، ستكون قادرة على جعل مفهوم
الاستبداد والهيمنة يبدو وكأنه مجرد شكل من أشكال الخروج عن القانون. فكما يمكن
برمجة محطة عمل في شبكة محلية بحيث تعترض رسائل الآخرين، فإن بطاقة حاسوبية "شريرة"
تستطيع تسجيل كل ما يدور في غرفة مغلقة.
وحتى اليوم، يمكن للبطاقات الصدرية الفعّالة ومفكرات
المواعيد ذاتية الكتابة التي تقدم جميع التسهيلات، أن تصبح مَصدرًا لأذى حقيقي
إذا ما وقعت في أيد غير أمينة. ولا يقتصر الأمر على رؤساء ومرؤوسين، بل يمكن
أيضا لمسؤولين حكوميين ممن يتجاوزون الحدود في غيرتهم على مصالح الدولة وحتى
لشركات التسويق أن تُقْدِم على استخدام سيئ للمعلومات ذاتها التي تجعل الحواسيب
الخفية أجهزة ملائمة للغاية.
لحسن الحظ، تتوافر حاليا تقنيات تعمية
cryptographic تَضْمن انتقال الرسائل من حاسوب
كلي الوجود إلى آخر، كما أنها تحمي المعلومات الخاصة المخزنة في منظومات
حاسوبية مشبكة. وتستطيع هذه التقنيات، إذا ما أُدخلت في تصاميم المنظومات منذ
البداية، أن تضمن عدم شيوع البيانات الخاصة. لهذا فإن تنفيذا جيدا لحوسبة كلية
الوجود يمكن أن يمنح حماية للخصوصية الفردية بشكل أفضل مما عليه الأمر في الوقت
الحاضر.
إن جعل الحواسيب تختفي في البيئة الخلفية يساعد
الافتراضية المجسدة على جعل الأفراد أكثر إدراكا لهؤلاء الناس الذين يقبعون على
الطرف الآخر من شبكاتهم الحاسوبية. وقد يعكس هذا التطورُ تلك القوى غير الصِحية
والمنغلقة التي أدخلتها الحواسيب الشخصية التقليدية إلى حياتنا ومكان عملنا.
وحتى في وقتنا الحاضر، تجد العديد من الأفراد وقد
تقوقعوا في مكاتب لا نوافذ لها أمام شاشات حواسيب متوهجة فلا تسنح لهم فرصة
لرؤية زملائهم معظم يومهم، إذ يتوقف العالم الخارجي وكل من فيه عن الوجود بشكل
فعال في إطار الواقع الافتراضي. وعلى العكس من ذلك تستقر الحواسيب كلية الوجود
في عالم البشر ولا تفرض أي حواجز أمام التفاعل والتحاور بين الناس. وأكثر من
ذلك، فقد تساعد الاتصالات الشفافة اللامرئية التي توفرها بين مختلف المواقع
والأوقات، على تقريب الجماعات بعضها من بعض.
وأعتقد وزملائي في مركز بحوث پالو ألتو أن ما نسميه
بالحوسبة كلية الوجود سيبرز تدريجيا ليصبح الأسلوب السائد للحوسبة في العشرين
سنة القادمة. ولن تقدم الحوسبة كلية الوجود، مثلها مثل الحواسيب الشخصية، أي
شيء جديد بشكل جذري، غير أنها ستجعل الأشياء تعمل بصورة أسرع وأسهل وبمجهودات
عقلية وجسدية أقل وستنجح في تحويل كل ما يبدو ممكنًا. فالطباعة والنشر بوساطة
الحاسوب المكتبي، على سبيل المثال، لا تختلف أصلا عن التنضيد الحاسوبي الذي
يعود إلى منتصف الستينات، غير أن سهولة الاستخدام هي التي تجعل الفارق كبيرا
بينهما.
وعندما يحتوي كل شيء على حاسوب أو يحمل بطاقة تعلق
عليه، تصبح مسألة الحصول على المعلومات أمرا تافها: "من صنع هذا الثوب؟ هل
لدينا غيره في المخزن؟ ما اسم مصمم تلك البِذلة التي أعجبتني الأسبوع الفائت؟"
والبيئة الحاسوبية computing environemt تعرف
البذلة التي نظرت إليها مدة طويلة الأسبوع الفائت لأنها تعرف موقعك وموقعها،
ويمكنها أن تزودك باسم المصمم حتى ولو لم تكن هذه المعلومات تهمك في ذلك الحين.
وقد تعني حوسبة كلية الوجود، من زاوية اجتماعية،
أفول ظاهرة "إدمان الحاسوب". ففي العقدين الأولين من هذا القرن تهافت الناس على
الأجهزة ذات البلورات crystal sets للإفادة من
التقانة المتطورة الجديدة لعالم المذياع. أما الآن فقد أصبحت مُستقبلات البلورة
والشعيرة crystal-and-cat's-whisker نادرة حيث
أصبحت المذياعات عالية الجودة في كل الأمكنة وكل الأوقات (كلية الوجود). يضاف
إلى ذلك أن الافتراضية المجسدة ستضع الحواسيب تحت تصرف رؤساء الصناعات والدول
لاستخدامها للمرة الأولى تقريبا، بل سينفذ الحاسوب إلى كل شريحة في المجتمع.
وأهم من هذا وذاك قدرة الحواسيب الكلية الوجود على
قهر مشكلة الحمل الزائد للمعلومات؛ إذ إن المعلومات المتاحة التي تتوافر لنا
ونحن نتنزه في غابة هي أكثر مما يتوافر في أية منظومة حاسوبية، ومع ذلك يجد بعض
الناس أن السير بين الأشجار يساعد على الراحة والاسترخاء، وأن التجوال بين
الحواسيب قد يجلب الإحباط. لكن الآلات التي تلائم البيئة البشرية، لا التي تقسر
الناس على ولوج عوالمها، ستجعل استخدام الحاسوب تجربة بهيجة تماما كنزهة في
غابة.
المؤلف
Mark Weiser
THE TACIT DIMENSION. Michael Polariyi. Doubleday &
Company, 1966.
TOWARD PORTABLE IDEAS. Mark Stefik and John Seely
Brown in Technological Support for Work Group Collaboration. Edited by
Margrethe H. Olson. Lawrence Erlbaum Associates, 1989.
RECENT DEVELOPMENTS IN OPERATING SYSTEMS. Special
issue of Computer (IEEE Computer Society), Vol. 23, No. 5; May 1990.
ACTIVI'I'Y-BASED INFORMATION REI'RIEVAL: TECHNOLOGY
IN SUPPORT OF HUMAN MEMORY. Mik Lamming and William Newman. Available as
Rank Xerox Euro-PARC Technical Report 91-03; February 1991.
LCDS AND BEYOND. Nick Baran in Byte, Vol. 16, No. 2,
pages 229-236; February 1991.
A TALK WITH INTEL. Kenneth M. Sheldon in Byte,
Vol. 16, No. 4, pages 131-140; April 1991
(1) نحت من عنصر ـ
صورة. (التحرير)
(2) للكاتب الإيرلندي
جيمس جويس (1882-1941 ). (التحرير)
|