Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink أبريل1996 / المجلد 12 HyperLink

  New Page 1

 

المنجنيق

تكشف عملياتُ إعادة بناء حديثة ومحاكاة حاسوبية

مبادئ عمل أكثر الأسلحة قوة في عصر المنجنيق.

<E .P. تشيڤيدن> ـ <L. إيگنبرود> ـ <V. فولي> ـ <W. سودل>

 

قبل تطوير مدافع مؤثرة بمئات السنين، كانت هناك أجهزة قصف ضخمة تدمر جدران القلاع وقذائف يبلغ وزنها وزن جهاز بيانو عمودي. فالمنجنيق الذي تم اختراعه في الصين بين القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد، وصل إلى حوض البحر المتوسط في حدود القرن السادس الميلادي، فحل محل أجهزة قصف أخرى وتبوأ مكانته حتى إلى ما بعد التوصل إلى المدافع التي تعمل بالبارود. كان للمنجنيق شأن كبير في التوسع السريع للإمبراطوريتين الإسلامية والمغولية، كما أدى دورا في انتشار وباء الطاعون الذي كان يدعى بالموت الأسود، وقد اجتاح مناطق أوروبا وآسيا المتاخمة وشمال إفريقيا خلال القرن الرابع عشر. ويظهر أن المنجنيق أثر أيضا وبالوقت نفسه في تطوير كل من آليات أجهزة قياس الوقت وأعمال التحليل النظري للحركة.

 

وخَلَف المنجنيقُ الآلةَ الراجمة التي كانت بدورها شكلا من أشكال مكننة القوس [انظر: Foley ." Ancient Catapults" by W. Soedel- V . 

 Scientific American, March 1979].

 

وتستمد الراجمات طاقتها من مرونة حبال مفتولة أو أوتار مشدودة، في حين تعتمد المنجنيقات على الثقالة الأرضية أو القدرة البشرية المباشرة التي برهنت على أنها، وبصورة كبيرة، أكثر فاعلية.

 

نموذج أعيد بناؤه حديثا لآلة الحصار التي كانت تُستخدم في القرون الوسطى، يقوم بقذف جهاز بيانو في الريف الإنكليزي. هذا المنجنيق الذي بني على نمط الأجهزة التي استخدمت في أوروبا والشرق الأوسط في القرون الوسطى، سمح بقذف أشياء يصل وزنها إلى 500 كيلوغرام. أما أسلافه الكبيرة فإنها تقذف أكثر من طن. (يبلغ ارتفاع النموذج 60 قدما، وقد قام بإعادة بنائه في شروبشاير بإنكلترا كل من <H. كينيدي> و <R. بار>.)

 

وكانت الراجمة المتوسطة ترمي قذيفة تزن ما بين 13 و 18 كيلوغرام. أما الراجمات الضخمة التي شاع استخدامها فقد كانت لها إمكانية قذف 27 كيلوغراما. ولكن، استنادا إلى فيلون البيزنطي(1) Philo of Byzantium، فإن هذه الأجهزة لم تكن تُحدث ضررا كبيرا في الجدران التي تقع على بعد 160مترا منها. وبالمقابل، فإن المنجنيقات الأكثر قدرة كانت تستطيع توجيه قذائف تزن طنا أو أكثر، فضلا عن أن مجالها الأقصى كان يتجاوز مجال أجهزة القصف القديمة.

 

استعادة المعلومات المفقودة

لم تبدأ عملية إعادة تجميع تاريخ ومبادئ عمل المنجنيق إلا حديثا؛ إذ إن الباحثين لم يقوموا حتى الآن بجهد شامل وكاف لدراسة الأدلة المتوافرة كافة. وقد أُهملت، بصورة خاصة، الكتب التقنية الإسلامية. ولا شك أن أهم مرجع تقني مازال موجودا حول هذه الآلات هو كتاب «الأنيق في المنجنيق»(2)، الذي كتبه عام 1462 يوسف بن أرنْبُغَا الزَرَدْكاش. ويعتبر أحد أكثر المخطوطات العربية غنى بالرسوم التوضيحية، ويعطي معلومات مفصلة حول كيفية بناء المنجنيقات وتشغيلها. إن هذه الكتابات ذات أهمية خاصة لأنها تعبِّر عن فهم فريد للميكانيك التطبيقي في مجتمعات ما قبل النهضة.

 

لقد قمنا بإنجاز نماذج بالحجم الطبيعي ومحاكاة بالحاسوب علمتنا الكثير عن عمل المنجنيق. ونتيجة لذلك، نعتقد بأننا أمطنا اللثام عن مبادئ التصميم المفقودة منذ القرون الوسطى. إضافة إلى أننا اكتشفنا المستندات التاريخية التي تثبت أن المنجنيقات كانت منتشرة قبل التواريخ المعروفة وتبيِّن دورها الحاسم في حروب القرون الوسطى.

 

اعتقد المؤرخون سابقا أن انتشار المنجنيقات من الصين باتجاه الغرب حصل في تاريخ متأخر نسبيا بحيث لم يكن له أي تأثير أثناء المرحلة الأولى من الفتح الإسلامي بين عامي 624 و 656ميلادي. إلا أن أبحاثا قام بها أحدنا (تشيڤيدن) بيَّنت أن المنجنيقات وصلت إلى الحوض الشرقي للبحر المتوسط في نهاية القرن السادس الميلادي، وكانت معروفة عند العرب ومستخدمة بفاعلية كبيرة من قبل الجيوش الإسلامية. إذًا، فالتطور التقاني الذي عُرف به الإسلام لاحقا كانت له مؤشراته السابقة.

 

ويدين التوسع المغولي أيضا ـ وهو الأوسع في تاريخ البشرية ـ ببعض الشيء لهذا السلاح. وبما أن المغول كانوا أهل فروسية فقد استخدموا المهندسين الصينيين والمسلمين لبناء وتشغيل المنجنيقات أثناء عمليات الحصار التي كانوا يقومون بها. وفي أثناء حصار كافّا(3) Kaffa في القرم عامي 1345- 1346، كان لإسهام المنجنيق في الحرب البيولوجية الأثر الأكبر في التدمير؛ فحينما كان المغول يحاصرون هذه المدينة التي تمثل مركز الحماية الأمامي لقوى جِنُوه في شبه جزيرة القرم، اجتاح الطاعون الجارف صفوفهم، فكانت جثث الموتى تُرمى إلى داخل المدينة. ومن كافّا انتقل الطاعون إلى موانئ البحر المتوسط الأوروبية بوساطة التجار الجِنُوِيّين.

 

فيزياء المنجنيق

إن حركة المنجنيق جد بسيطة في أساسياتها، إلى حد أنها كانت الحافز إلى القيام بدراسات الحركة في القرون الوسطى. إلا أن تفاصيل هذه الحركة هي من الدقة بحيث تتطلب محاكاة حاسوبية لتفسيرها بشكل صحيح. وقد توصلنا حديثا إلى فهم كيف أن دوران الثقل الموازن يؤدي دورا حاسما في نقل الطاقة إلى العارضة ومنها إلى القاذفة والقذيفة.

كان أحد طرفي المقلاع (النقافة القاذفة) sling مربوطا بقوة إلى العارضة في حين كان الطرف الآخر يشكل عروة تُعلَّق حول جزء معدني ناتئ، وعندما تصل إلى الزاوية المناسبة تتحرر العروة تاركة القذيفة تنطلق. إن دقة ضبط الجزء الناتئ والطول الكلي للقاذفة كانا من الأمور الحاسمة للتوصل إلى المدى الأقصى للقذيفة.

كانت المنجنيقات trebuchets البدائية تُحرَّك بوساطة مجموعة من الرجال الذين يقومون بسحب الحبال عوضا عن استخدام الأثقال الموازنة. وكانت مجموعات تضم حتى 250 رجلا تقوم بالسحب لإرسال القذائف إلى مسافة 100 متر أو أكثر. وفي هذا المثال لآلة صغيرة تعتمد على السحب، يقوم وزن ماسك القاذفة بليّ (تقويس) العارضة مما يزيد المدى الذي يمكن أن تصل إليه القذيفة.

لقد زادت إضافة الأثقال الموازنة counterweights قدرة المنجنيق. إن إزالة حبال السحب جعلت التوصل إلى ابتكار آخر ممكنا: بوضع حوض تحت عارضة المنجنيق للإمساك بالقذيفة، استطاع المهندسون زيادة طول القاذفة وتوسيع مدى الرماية. وتدور القاذفة بسرعة أكبر بعد أن تكون القذيفة محمولة في الهواء بحيث يتحكم طولها في زاوية الإطلاق.

 

حققت الآلات ذات الثقل الموازن الممفصل hinged إضافة أخرى إلى مدى الرماية وذلك بتحسين الفعالية التي يقوم بها المنجنيق بتحويل طاقة الثقالة الأرضية إلى حركة للقذيفة. يهبط مركز الثقالة للثقل بخط مستقيم إلى أسفل أثناء المرحلة الأولى للتسارع، وعندما تستوي المفصلة تزداد الطاقة المنتقلة من جراء دوران الثقل حول مركزه. ويساعد استمرار الدوران على إبطاء حركة العارضة عندما تنطلق القذيفة مما يخفف من الإجهاد الذي تتحمله الآلية. إن سلاسة عمل المنجنيق تعني بأنه ليس هناك داع لإعادة تسوية وضعيته بعد كل رمية، وبذلك يمكن إطلاق قذائف أكثر خلال فترة زمنية معينة.

 

إن الأثقال الموازنة المدعمة propped سمحت للمهندسين باستخلاص طاقة أكبر من الثقل الموازن. فبدعم الثقل الموازن ليبقى مائلا قبل الإطلاق، يتباطأ هبوطه قليلا. وقد زاد هذا الابتكار أيضا المسافة بين مركز الثقالة في الثقل الموازن والمحور الذي تدور حوله عارضة المنجنيق.

ـ <V .فولي>

 

واستخدمت المنجنيقات في الخطط الدفاعية والهجومية على حدٍّ سواء. حيث قام المهندسون بزيادة سماكة الجدران لتتحمل قذائف أجهزة القصف الجديدة. كما قاموا بإعادة تصميم التحصينات ليتسنى استخدام المنجنيق ضد المهاجمين. وقد قام المعماريون العاملون بخدمة الملك العادل (1196 -1218) ـ وهو أخو صلاح الدين وخليفته ـ بإدخال نظام دفاعي يستخدم منجنيقات تعمل بالثقالة، جرى تركيبها فوق منصات أبراج لمنع أجهزة القصف المعادية من الوصول إلى داخل نطاق فعاليتها. إن هذه الأبراج التي تم تصميمها في البدء كمرابض لأجهزة القصف، أصبحت أضخم بكثير كي تناسب المنجنيقات الأكبر حجما، وتم تحويل القلاع من مجرد جدران محيطة مع عدد قليل من الأبراج إلى مجموعات من الأبراج الضخمة متصل بعضها ببعض بوساطة جدران ساترة قصيرة. وكانت الأبراج على قلاع دمشق والقاهرة والبصرة تشكل منشآت ضخمة يصل سطح كل منها إلى 30 مترا مربعا.

 

بسيط ولكنه مدمر

وكان مبدأ عمل المنجنيق واضحا؛ إذ إن السلاح كان مكونا من عارضة beam تدور على محور يقسمها إلى ذراع طويلة وأخرى قصيرة. وكانت الذراع الطويلة تنتهي بما يشبه الكوب أو المقلاع (النقافة القاذفة) sling. أما الذراع القصيرة فقد كانت تنتهي بأداة ملحقة لسحب حبال أو لحمل ثقل موازن counterweight. وعندما كان الجهاز يهيأ للقصف، كانت الذراع القصيرة في أعلى وضعية ممكنة؛ وعندما تتحرر العارضة تدور الذراع الطويلة إلى أعلى راميةً القذيفة من المقلاع.

 

وتم تطوير ثلاثة أنواع رئيسية من المنجنيقات أجهزة السحب؛ وتستمد قوتها من مجموعة من الرجال تقوم بسحب الحبال، والأجهزة المعتمدة على الثقل الموازن؛ وتعمل من جراء هبوط كتل ضخمة، وأجهزة هجينة تستخدم القدرة البشرية والثقالة معا. وعندما ظهرت آلات السحب للمرة الأولى في حوض البحر المتوسط في نهاية القرن السادس، كانت إمكاناتها أكبر بكثير من إمكانات أسلافها من أجهزة القصف، إلى حد أنها وُصِفتْ بأنها ترشق «جبالا وتلالا». كانت الآلات الهجينة الأكثر قدرة تسمح برمي قذائف أثقل من تلك التي ترميها الراجمات الكبيرة الأكثر شيوعا بثلاثة إلى ستة أمثالها. يضاف إلى ذلك، أنها كانت تستطيع إطلاق عدد أكبر من القذائف خلال فترة زمنية معينة.

 

لقد كان تقدم الآلات المعتمدة على الثقل الموازن أكبر بكثير. فحاوية الوزن يمكن أن تكون بحجم كوخ ريفي وتحتوي على عشرات الآلاف من الكيلوغرامات. أما القذيفة في الجهة الأخرى من الذراع فكان يمكن لها أن تزن ما بين 200 و 300 كيلوغرام. وقد تم ذكر بعض المنجنيقات التي كانت ترمي قذائف من الحجارة تزن ما بين 900 و 1600 كيلوغرام. ومع زيادة كهذه في القدرة، كان من الممكن رمي خيول ميتة أو أكوام جثث بشرية. وقد استطاع نموذج أعيد بناؤه حديثا في إنكلترا قَذْفَ سيارة صغيرة (تزن 476 كيلوغرام من دون محركها) إلى مسافة 80 مترا باستخدام ثقل موازن يبلغ 30 طنا.

 

استأثرت المنجنيقات ـ وهي في أوج عزها ـ باهتمام كبير من المهندسين. وفي الواقع، إن كلمة هندسة engineering مرتبطة بصورة أساسية بها. وفي اللاتينية واللغات الأوروبية، كان الاسم الشائع للمنجنيق هو المحرك engine (من كلمة ingenium اللاتينية وتعني «الاختراع المبدع») وكان الذين يصممونها ويصنعونها ويستخدمونها يدعون المبدعين ingeniators.

 

وقام المهندسون بتعديل التصميمات الأولى لزيادة مدى استخدامها، وذلك باستخلاص أكبر طاقة ممكنة من الثقل الموازن عند هبوطه، وكذلك لزيادة الدقة عن طريق تخفيض الارتداد إلى الحد الأدنى. إن الفرق الأساسي بين الآلات المعتمدة على الثقل الموازن وأسلافها المعتمدة على السَّحْب هو أن القاذفة في طرف الذراع تكون أطول بكثير. وهذا التغيير يؤثر في الأداء بشكل مثير لأنه يؤدي إلى زيادة الطول الفعلي لذراع الرمي، كما أنه يفتح الطريق أمام سلسلة من التحسينات الإضافية، وذلك بجعل زاوية القذف لا تعتمد ـ إلى حد كبير ـ على زاوية الذراع. وبتغيير طول حبال القاذفة، استطاع المهندسون تأمين انطلاق القذيفة بزاوية تقارب 45 درجة بالنسبة للاتجاه العمودي مما يؤدي إلى أطول مسار ممكن.

 

وفي الوقت نفسه، ومع تحول كمية أكبر من الطاقة الكامنة الناتجة من الوزن إلى حركة، تنفتح القاذفة فقط عندما تصل الذراع إلى وضعية عمودية تقريبا (مع وجود الثقل الموازن قرب النقطة الأكثر انخفاضا من مساره). هذا ويمكن أن تكون مراقبة عمل المنجنيق قد ساعدت على ظهور فهم عميق في القرون الوسطى للقوى المرافقة للأجسام المتحركة.

 

أُعيد تصميم قلعة القاهرة (الصورة العليا) في نهاية القرن الثالث عشر لتلائم أكثر المنجنيقات قدرة في ذلك العصر، وهي تلك التي تعمل بالثقل الموازن. أضيفت إلى الجدار القديم مع أبراجه الصغيرة نصف الدائرية (الجهة الأمامية من الصورة، الدوائر الزرقاء على المخطط) سلسلة من الأبراج الأكثر سماكة (باللون الأحمر) لتتحمل الآلات ذات الثقل الموازن التي كانت تستخدم لمنع أجهزة رماية الأعداء من أن تصل إلى المدى المناسب لها. صورة توضيحية من كتاب «الأنيق في المنجنيق» (في أسفل اليسار) تظهر منجنيقا ذا ثقل موازن وجهازا يعمل بالشد منصوبا فوق برج.

 

التمايل بِحُريّة

أما الابتكار الحاسم التالي فقد كان تطوير الثقل الموازن المُمَفْصل (المعلق بوساطة مفصلة) أثناء عملية الصلي (الاستعداد للرمي)، حيث كانت الحاويات في الآلات المعتمدة على الثقل الموازن تتدلى مباشرة تحت المفصلة على زاوية معينة من الذراع. وعند تحرير ذراع المنجنيق، تأخذ المفصلة وضعية مستوية، ونتيجة لهذه الحركة تتغير المسافة بين الثقل الموازن ومحور المفصلة وتتغير بالتالي الميزة (الفائدة) الميكانيكية(4) أثناء الدورة.

 

وتُزيد المفصلة بشكل محسوس مقدار الطاقة التي يمكن أن تُعطى إلى القذيفة من خلال العارضة. وقد لاحظ مهندسو القرون الوسطى أن الآلات المعتمدة على ثقل موازن معلق بوساطة مفصلة ترمي قذائفها أبعد مما تقوم به آلات لها المواصفات نفسها ولكنها تعتمد على وضعية غير متحركة للثقل. وقد بينت محاكاة حاسوبية أجريناها أن الآلات المعتمدة على ثقل موازن ممفصل تعطي نحو 70 في المئة من طاقتها للقذيفة. وهي تفقد بعض الطاقة بعد أن تكون المفصلة قد انفتحت إلى أقصى حد، عندما تبدأ العارضة بسحب الثقل الموازن جانبيًا.

 

 

ومع أن هذا التمايل للثقل الموازن مكلف قليلا، فإن له تأثيرا ملموسا في كبح حركة العارضة أثناء دورانها. ومع انتقال الطاقة إلى القاذفة عندما ترتفع وتدور فوق العارضة، يمكن لهذا الكبح أن يسبب توقف العارضة تقريبا عندما تصبح في وضع عمودي. ويقلل تخفيف السرعة الإجهاد الذي تتعرض له بنية الجهاز مباشرة عندما تنطلق القذيفة. ونتيجة لذلك، فإن احتمال انزلاق الهيكل أو تأرجحه يصبح أقل. إن بعض القطع في أجهزة القصف القديمة كانت معروفة بميلها إلى الالتواء والتحدب مما كان يستدعي تركيبها على منصات خاصة قابلة للانضغاط. ويؤدي الإطلاق السلس في حالة المنجنيق إلى عدم حاجة المهندسين إلى القيام بإعادة الجهاز إلى وضعه بين الرميات المتعاقبة، وبذلك يمكنهم الرمي بشكل أسرع وأكثر دقة. وقد برهن جهاز من حجم متوسط تم بناؤه بوساطة متحف فالسترز مايندر في الدنمارك أن باستطاعته تجميع رمياته إلى مدى 180 مترا ضمن مساحة لا تتجاوز ستة أمتار مربعة.

 

الاستفادة من دروس المنجنيق

حاول المهندسون بعد ذلك، الاستفادة من القدرة الكبيرة التي تمثلها المنجنيقات. وقد ظهرت بعض هذه الجهود في السجلات التاريخية التي بينت محاولة استخدام الرياضيات لتحديد شكل حاويات الثقل الموازن بمنحنى معرّف رياضياتيا يدعى منحنى المملحة(5) salinon saltcellar. وقد أخذت حاويات الثقل الموازن في المنجنيقات المتطورة هذا الشكل لأنه يركز كتلة الثقل على أبعد مسافة ممكنة من المفصلة، كما أنه يقلل الفسحة (الخلوص) الضرورية بين الثقل الموازن وهيكل الجهاز. وقد ظهر الشكل ذاته مجددا في آلات لاحقة احتوت على بندولات pendulums، مثل المناشير التي تحركها بندولات وغيرها من الأدوات.

 

إن معظم المحاولات للتوسع في استخدام مبادئ المنجنيق أصابها الفشل لأنه لم يكن بالإمكان تسخير قدرة الثقل الموازن بشكل فعال. وقد حصل النجاح فقط في حقل قياس الوقت. إن المهندسين في هذا الحقل لم يكونوا يتطلعون إلى قوة المنجنيق العظيمة وإنما إلى حركته المنتظمة، وقد حققت البندولات خطوة حاسمة باتجاه الدقة بالنسبة للآليات mechanisms التي كانت تُستخدم سابقا في ضبط الوقت.

 

ومع أن البندول يُنْسب عادة إلى عصر<گاليليو> و <Ch. هيگنز>، فالثابت هو أن استخدام البندولات في ضبط الوقت يعود إلى عائلة صانعي ساعات إيطاليين كان ليوناردو دافنشي مقرّبا منهم. ومن المؤكد أن دافنشي ذكر صراحة أن بعض تصميماته يمكن أن تُسْتخدم في معرفة الوقت. وتُبيِّن رسوماته وجود مفصلة بين عمود البندول والكتلة، تماما كما كانت الأثقال الموازنة معلقة بمفصلة في المنجنيقات المتطورة. كما تُظهر هذه الرسوم أيضا تشابها من ناحية الشكل بالأجهزة التي كانت تَستخدم الثقل الموازن غير المتحرك. أما بالنسبة لآليات الساعات التي كانت تُستخدم قبل ذلك، فقد كان هناك تماثل واضح في الشكل والحركة معا بين الثقل الموازن الذي له شكل المملحة وجهاز مراقبة للسرعة يدعى ستروب strob. كان هذا الجهاز يتأرجح حول عموده مثلما يفعل الثقل الموازن مباشرة قبل أن تخمد حركته في نهاية عملية الرمي.

 

كانت المنجنيقات التي تعمل بالثقل الموازن عماد أجهزة الرماية في القرون الوسطى. إن هذه الصورة من كتاب Bellifortis لمؤلفه <C. كيازر> تبين أبعاد العارضة الأساسية (46 قدما للذراع الطويلة، 8 أقدام للذراع القصيرة) وبعض أجزاء المنجنيق الأخرى. إن النص الذي تُرك من دون إكمال عند وفاة كيازر عام 1405 لا يعطي وصفا مفصلا للجهاز.

 

ويبدو أن المنجنيقات أدت أيضا دورا في أعظم تقدم حقيقي للعلوم الفيزيائية في القرون الوسطى، ويتمثل ذلك في الأعمال الأصيلة في الميكانيك النظري التي تنسب إلى جوردانوس النيموري Jordanus of Nemore. إن الأساس في إسهام جوردانوس يأتي من مفهومه للثقالة الوضعية (المتعلقة بالوضع) مما يعتبر بمثابة انبثاق في القرون الوسطى لفكرة الكمية الموجهة vector المتعلقة بالحركة، أو اتجاهية الحركة. وقد توصل جوردانوس إلى أنه: على مسافات متساوية يَظهر جسم ما «أكثر ثقلا» أو أكثر قدرة على إعطاء طاقة عندما يكون خط نزوله عموديا وليس مائلا. وقد قام جوردانوس، بصورة خاصة، بمقارنة حالات كانت مسارات النزول فيها مستقيمة أو مقوسة. ومن الممكن أن يكون استيعاب ذلك قد قاد إلى المفهوم القائل بأن كمية الشغل (العمل) متناسبة مع كل من الوزن ومسافة النزول العمودية بصرف النظر عن شكل المسار.

 

إن العلاقة واضحة. فقد عرف المهندسون أن الآلات ذات الثقل الموازن الممفصل التي يهبط فيها الثقل على خط مستقيم إلى أسفل أثناء المرحلة الأولى الحاسمة من دورة الإطلاق، يمكن أن ترمي حجارة أبعد مما تفعله الآلات الشبيهة ذات الثقل الموازن غير المتحرك والتي تتحرك فيها الكتلة على منحن.

 

وتُظهر نواح أخرى من عمل جوردانوس وجودَ علاقات بالأعمال العسكرية أيضا. فتعليق الثقل الموازن الممفصل مع التغير المستمر لفعالية الرافعة التي يشكلها ذراع هذا الثقل يمكن أن يكون قد حفز جوردانوس إلى القيام بمحاولات لتحليل توازن الرافعات المقوسة وليستنتج أن المسافة الأفقية بين الكتلة على ذراع الرافعة ونقطة الارتكاز هي التي تحدد كمية الشغل التي يمكن أن تقوم بها. ويمكن أن تكون ملاحظات متعلقة بتغير المسافات التي يمكن أن ترمي إليها آلات تعمل بثقل موازن ممفصل أو غير متحرك قد ساعدت جوردانوس في جهوده الرائدة لتحديد مفهوم كمية الشغل كحاصل ضرب القوة في المسافة.

 

وتدرَّس أفكار جوردانوس عادة كمثال للفيزياء البحتة، كما تُبيِّن دروس الفلاسفة الطبيعيين الأوائل مثل أرخميدس. ومع ذلك، فإن اقتراب مفاهيمه للميكانيك من مبادئ عمل المنجنيق، يوحي بأنه من الممكن أن تكون مزاولة الهندسة قد أعطت الدافع للتوصل إلى النظرية. هذا، وقد قام گاليليو لاحقا بإدخال أفكار جوردانوس، مثل تلك المتعلقة بالإزاحة الافتراضية والشغل الافتراضي وتحليل السطوح المائلة، لدعم علم ميكانيك أكثر حداثة يتمثل بتحليله الشهير لمسار قذيفة مدفع.

 

إن إبداعات گاليليو النظرية لم ترد إلا بعد استبدال المدافع بالمنجنيقات، وهي عملية تطلبت نحو قرنين من الزمن. ولم تُستكمل بصورة نهائية إلا بعد أن حلت القذائف المعدنية مكان الحجارة، وكانت آخر مناسبة لاستخدام المنجنيق في العالم الجديد هي أثناء حصار تينوشتيلان (مدينة مكسيكو حاليا) عام 1521. فلأن الذخيرة كانت على وشك النفاد، وافق <هيرمون كورتيز> (6) بلهفة على عرض لبناء منجنيق، وتطلب بناء المنجنيق عدة أيام. وفي الرمية الأولى، انطلق الحجر من المنجنيق إلى الأعلى على خط مستقيم فقط ليعود ويهشمه. وبسبب القوة الهائلة لهذه الآلات، والبراعة المطلوبة لتشغيلها بشكل صحيح، يستحسن أن يكون الذين يقومون بإعادة بناء نماذج لها على دراية بذلك، وأن يكونوا شديدي الحرص في هذه العملية.

 


 المؤلفون

P. E. Chevedden - L. Eigenbrod -V. Foley - W. Soedel

جمعوا بين الهندسة والتاريخ في دراستهم للمنجنيق. تشيڤيدن مؤرخ مختص في أساليب الحصار القديمة والتحصينات، وهو يدرس في سالم ستيت كولدْج بماساتشوستس، وقد حصل على الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 1986. وإيگنبرود أستاذ مشارك في تقانة الهندسة الميكانيكية في جامعة Purdue، ويقوم بتدريس علم السكون (الستاتيكا) وعلم التحريك (الديناميك) والتحليل بطريقة العنصر المحدّد. وقد عمل 24 عاما في الصناعة قبل انتسابه إلى جامعة Purdue. وفولي أستاذ مشارك في جامعة Purdue، مختص في تاريخ التقانة والعلوم، وهذا مقاله الخامس في مجلة «ساينتفيك أمريكان». أما سودل فهو أستاذ للهندسة الميكانيكية في جامعة Purdue وله اهتمام كبير بالنماذج الرياضياتية ومحاكاة الآلات. وأسعد أوقاته هو الجلوس في الحديقة ومطالعة كتب التاريخ.

 


مراجع للاستزادة 

TREBUCHETS, Donald R. Hill in Viator, Vol. 4, pages 99-115; 1973.

CHINA'S TREBUCHETS, MANNED AND COUNTERWEIGHTED. Joseph Need-ham in On Pre-Modern Technology and Science: Studies in Honor of Lynn White, Jr. Edited by Bert S. Hall and Delno C. West. Undena Publications, 1976.

BESSON, DA VINCI, AND THE EVOLUTION OF THE PENDULUM: SOME FINDINGS AND OBSERVATIONS. Vernard Foley, Darlene Sedlock, Carole Widule and David Ellis in History and Technology, Vol. 6, No. 1, pages 1-43; 1988.

ARTILLERY IN LATE ANTIQUTTY: PRELUDE TO THE MIDDLE AGES. Paul E. Chevedden in The Medieval City under Siege. Edited by Ivy Corfis and Michael Wolfe. Boydell & Brewer, 1995.

SCIENCE AND CIVILIZATION IN CHINA, Vol. 5: CHEMISTRY AND CHEMICAL TECHNOLOGY, Part 6: MILITARY TECHNOLOGY, MISSILES AND SIEGES. Joseph Needham and Robin D. S. Yates. Cambridge University Press, 1995.

Scientific American, July 1995

 


(1) من أشهر علماء الإغريق ومهندسيهم، وقد نبغ نحو عام 250 قبل الميلاد.

(2) حققه إحسان هندي ونشره عام 1985 معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب بالاشتراك مع معهد المخطوطات العربية . (التحرير)

(3) كافّا ـ وتعرف حاليا باسم فيودوسيا ـ هي مدينة تطل على البحر الأسود في شبه جزيرة القرم. كانت في القرن الثالث عشر عاصمة لمقاطعة شاسعة يحكمها أهل جنوه بعد أن كانت هذه قد توسعت وأصبحت جمهورية في القرن الثاني عشر امتدت إلى البحر الأسود. (التحرير)

(4) تعرف الميزة (الفائدة) الميكانيكية للرافعة (المخل) بالنسبة التالية: العزم الناتج (الخارج) \ العزم المعطى (الداخل)

(5) نظرا لتشابه الشكل الذي يحدّه مع شكل المملحة. (التحرير)

(6) عمل على تدمير إمبراطورية الأزتيك بين عامي 1519 و 1521 قبل أن يُخضع المكسيك للعرش الإسباني. (التحرير)

 

HyperLink