Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink يناير1996 / المجلد 12 HyperLink

  New Page 1

 

حسابات التعاون

تبين التجارب الحاسوبية كيف أن التعاون، وليس عدم التعاون،

يمكن أن يسيطر في الصراع الدارويني من أجل البقاء.

<A.M.نوك> ـ <M.R.ماي> ـ <K.سيگموند>

 

يسود مبدأ الأخذ والعطاء مجتمعاتنا، وهو أقدم من التجارة والمقايضات. فعلى سبيل المثال، يقوم باستمرار كل فرد في أسرة من الأسر، بتبادل الخدمات ومختلف المنافع مع أفراد أسرته، وغالبا ما يتم ذلك بصورة لاشعورية. وتدريجيا ازداد إعجاب الاقتصاديين بتلك المبادلات، كما حدث لعلماء الحياة (للبيولوجيين) الذين جمعوا وثائق عديدة عن حالات مشابهة لدى مجموعات الشمبانزي والرئيسات (الحيوانات اللبونة) الأخرى. كان <Ch.داروين> مدركا لدور التعاون في التطور البشري، حيث جاء في كتابه Descent of Man: «إن قوة الإنسان الضعيفة وسرعته الصغيرة ورغبته في امتلاك الأسلحة الطبيعية ومرفقاتها هي أكثر من أن توازنها خصائصه الاجتماعية، التي تدفعه إلى أن يقدم المساعدة ويتلقاها من بني جنسه.»

 

ومن الواضح أن ثمة بونا شاسعا بين هذا والوجود البشري الوحشي الذي وصفه الفيلسوف <T.هوبز> بصفات مثل «منعزل وبائس وقذر وبهيمي». ومع ذلك، أكد عدد من أتباع داروين الأوائل على الصفات الوحشية التي يتسم بها «الصراع من أجل البقاء» لدرجة أن الأمير الروسي<كروبوتكين>أحس بضرورة ملحة لإعداد كتاب كي يدحض آراءهم. رسم الأمير في كتاب «التعاون المتبادل» ـ الذي وصفته التايمز اللندنية: «بأنه قد يكون أكثر كتب سنة 1902 أهمية» ـ لوحة جدارية كبيرة تبين أشكال التعاون القائم بين القطعان السيبيرية وسكان الجزر البولينيزية والنقابات المهنية في القرون الوسطى. كان كروبوتكين من أشهر منظري الفوضوية anarchism، لكن انشغاله بالتاريخ الطبيعي لم يكن مجرد هواية بسيطة: فبالنسبة إلى شخص يؤمن بضرورة التخلص من سلطة الدولة، كان من الضروري أن يبين أن التعاون البشري لم تفرضه سلطة بقبضة حديدية بل إن له جذورًا متأصلة في متطلبات الحياة.

 

توضح شركة (أميش) لرفع الأسقف في مقاطعة لانكسير بولاية بنسلفانيا الميل إلى التعاون في ذلك المجتمع الريفي. وتستفيد شركة أميش من ثقافة تنتصر لمثل هذه الأشكال من التعاون المتبادل الطوعي.

 

وإلى حد ما، تخطت أفكار كروبوتكين توقعاته في نجاحها. فقد أشارت دراسات عديدة في علم الإناسة (الأنثروبولوجيا) وفي علم الرئيسات إلى دور التعاون المتبادل في المجتمعات البشرية البدائية. وتزخر كتب دليل سلوك الحيوان بالأمثلة عن التعاون المتبادل بين الحيوانات: التنظيف، الإطعام، التنبيه، المساعدة في النزاعات والصيد المشترك. ويزداد باطراد اعتبار الجمعيات المتكافلة عناصر أساسية في علم البيئة. ويجد علماء الحياة أمثلة عن التعاون على مستوى الخلايا والعضيات organelles وحتى الجزيئات قبل الحيوية prebiotic.

 

لكن في الوقت نفسه، يبدو أن شمولية التعاون قد صارت وبشكل ملحوظ أكثر تناقضا. وقد أخفق الفوضوي الروسي في رؤية مدى تهديد الاستغلال. فما الذي يمنع التبادليين من التحول إلى متطفلين. ولماذا على الفرد أن يشارك في جهد جماعي بدلا من خداع الآخرين؟ يضع الاصطفاء (الانتخاب) أهمية قصوى للنجاح التناسلي الفردي، ولكن يصعب تفسير كيف تستطيع تلك الآلية تشكيل سلوك إيثاري (غيري) يجعل الفرد يفيد الآخرين على حساب ذريته بالذات؟

 

ثمة وجهتا نظر فيما يتعلق بهذا الاصطفاء الذي يندرج تحت عنوانين: اصطفاء القرابة والتعاون المتبادل. إن هذين المفهومين غير متضادين ولكنهما متميزان تماما. فاصطفاء القرابة متأصل في علم الوراثة. [انظر: «تعرُّف الأقارب»، مجلةالعلوم، العدد 3(1996)] إذا ساعد جين (مورثة) ما في تحسين النسل عند أقرباء حامله، فإنه يساعد على تحسين سلالته. وضمن عائلة ما، يعتبر العمل الصالح (الإحسان) مكافأة بحد ذاته. لكن العمل الصالح غير المرتبط بقريب يجب أن يتلقى ما يقابله ليكون مربحا. فالتعاون المتبادل هو بشكل أساسي تبادل اقتصادي؛ وتأثيره أقل من تأثير اصطفاء القربى وبالتالي أكثر عرضة لإساءة تطبيقه.

 

يطبق الجزاء المتغير عندما يختار التعاونَ لاعبٌ واحد أو لاعبان أو لا يختاره أيٌ منهما. ويولِّد مثل هذا التحديد النقطي اللغز التقليدي لنظرية المباريات المعروف باسم «معضلة السجين».

 

قد يعقد فريقان صفقة ذات فائدة متبادلة، لكن قد يحرز أي من الفريقين ربحا إضافيا إذا حد من مساهماته .في المجتمعات الحديثة، يساعد جهاز ضخم قانوني وتنفيذي على مقاومة إغواءات الغش والخداع. لكن كيف تستطيع الغيرية المتبادلة العمل في غياب سلطات المؤسسات تلك التي يزدريها الفوضويون أمثال كروبوتكين؟ وللإجابة عن هذا السؤال الصعب يُفضل أن نُدخل في اعتبارنا بادئ ذي بدء أنظمة مثالية بسيطة.

 

معضلة السجين

لقد استعار <L.R.ترايفرز>، وهو محام سابق وحاليا باحث في علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في سانتاكروز، صورة مجازية من نظرية المباريات تعرف «بمعضلة السجين» Dilemma The Prisoner's ، وذلك بغية إيضاح ذلك اللغز. وقد طُرحت هذه المعضلة منذ بداية الخمسينات، وفيها يُسأل كل سجين من سجينين فيما إذا كان السجين الآخر قد ارتكب الجريمة المنسوبة إليهما. وتتوقف شدة العقاب على إقرار أحدهما بأن الآخر قد ارتكب الجريمة أو اعترافهما بارتكابها أو إنكارهما التهمة الموجهة إليهما. قد يُنظر إلى تلك الحالة على أنها مباراة بسيطة، وعلى اللاعِبيْن المشتركِيْن في المباراة الاختيار بين أن يتعاون أحدهما مع الآخر أو لا. في أحد تفسيرات معضلة السجين، إذا اختار كلا اللاعبين التعاون، فسيحصلان على ثلاث نقاط. وإذا لم يتعاونا، فسيحصل كل واحد منهما على نقطة واحدة فقط. لكن إذا تعاون أحدهما ولم يتعاون الآخر، فسيحصل الثاني على خمس نقاط ولن يحصل المتعاون على أية نقطة.

 

فهل سيتعاونان؟ إذا لم يتعاون اللاعب الأول، فإن اللاعب الثاني المتعاون لن يحصل على شيء. وبوضوح، لا بد للاعب الثاني من عدم التعاون. في الواقع، حتى ولو تعاون اللاعب الأول، فإن الأفضل للاعب الثاني ألاّ يتعاون وبذلك يحصل على خمس نقاط بدلا من ثلاث. وبصرف النظر عما سيفعله اللاعب الأول، فإن الاختيار الأمثل للاعب الثاني هو عدم التعاون. وهذا تماما ما يجب أن يفكر فيه اللاعب الأول. ونتيجة لذلك، سيختار كلا اللاعبين عدم التعاون وسيحصل كل واحد منهما على نقطة واحدة فقط؟

 

تعكس قرارات السجين الفرق بين ما هو أفضل من وجهة نظر فردية ومن وجهة نظر جماعية. وهذا الخلاف يعرِّض للخطر كل شكل من أشكال التعاون بما فيها المتاجرة والتعاون المتبادل. فمكافأة التعاون المتبادل أكبر من الجزاء عن عدم التعاون المتبادل، لكن لعدم التعاون الأحادي الجانب إغراء أكبر من المكافأة حيث سيلقى المتعاون المستغَل هزيمة أشد مرارة من الجزاء نفسه. وضمنا يعني هذا التدرج ـ من الإغراء بالثواب والجزاء إلى هزيمة المتعاون المستغَل ـ أن الاختيار الأفضل هو دوما عدم التعاون، دون الأخذ بالحسبان حركة اللاعب الخصم. ويقود هذا المنطق اللاعبين إلى عدم التعاون دون تردد.

 

تقلق تلك النتيجة معظم الناس، إذ إنهم غالبا ما يتعاونون. وفي الواقع يدفعهم شعورهم بالرغبة في التعاون أو صفة نكران الذات إلى هذا التعاون. فعدم التعاون نادر نسبيا في العلاقات التجارية، وربما يُرَدُّ ذلك إلى ضغط المجتمع. ومع ذلك، يجب ألاّ تؤثر مثل تلك الأمور في لُعبة تضفي على الحياة معناها الدارويني حيث تتحول المكاسب (سواء كانت سعرات حرارية أو أزواجا أو سلامة من الحيوانات المفترسة) إلى عملة واحدة ألا وهي النسل (الذرية).

 

مباريات دورية

افتراضية (مجازية) virtual

يستطيع المرء تصور تجربة فكرية أشخاصها لاعبون مبرمجون، يتبع كل واحد منهم استراتيجية ثابتة، فهو إما أن يتعاون دائما أو لا. إنهم ينخرطون في مباريات دورية تحكمها معضلة السجين. وتتوقف المحصلة النهائية لكل من المتنافسين على اللاعبين الآخرين في المباراة، وبالتالي تتأثر تلك المحصلة بعدد المشاركين الإجمالي. وعلى أية حال، سيحقق غير المتعاون دائما مكاسب أكثر مما سيحققه المتعاون. وفي نهاية الجولة التخيلية، يتكاثر اللاعبون منتجين نسلا من سلالاتهم (متعاونين أو غير متعاونين). وسينخرط الجيل اللاحق أيضا في المباراة الدورية وسيجني أبناؤهم ثمار ذلك التنافس بنسل جديد، وهكذا على التوالي. في هذه الصورة الكاريكاتيرية للتطور البيولوجي، الذي يورَّث فيه عدد من الذريات والاستراتيجيات، فإن النتيجة واضحة: سيزداد باستمرار عدد غير المتعاونين من جيل إلى آخر وبهذا سيشكلون غالبية أفراد المجتمع.

 

يمكن أن تعتمد الاستراتيجيات الارتدادية في معضلة السجين المتكررة على محصلة جولة المباراة السابقة. عرضت (في الأعلى) أربع استراتيجيات أساسية مؤلفة من ستة عشر خيارا ممكنا. وتكشف الجولات المتكررة لمعضلة السجين أنماطا مستمرة من التعاون (اللون الأزرق) ومن عدم التعاون (اللون الأحمر) حين ترتَّب الاستراتيجيات المنتقاة أزواجا أثناء الجولات المتتابعة (في الأسفل). وقد يعود أو يتبدل تتابع قائم بعد لعبة خاطئة منفردة (اللون البرتقالي).

 

توجد طرق عديدة للنجاة من ذلك القدر. ففي العديد من المجتمعات لا يقتصر التفاعل بين فردين متماثلين على مرة واحدة فحسب بل يستمر ذلك. وسيفكر كل مشارك مرتين قبل أن يُقدم على عدم التعاون إذا حملت هذه الحركة اللاعب الآخر على عدم التعاون في المرة القادمة. وهكذا قد تتغير الاستراتيجية عند تكرار المباراة بناء على ما يحصل في المباريات السابقة.

 

في عكس الحالة الفردية من «معضلة السجين»، حيث يفضَّل على الدوام عدم التعاون، يوجد عدد غير محدود من الاستراتيجيات للصيغة المتكررة، لا يعتبر أي منها كأفضل رد على الخصوم جميعهم. فإذا قرر اللاعب الخصم، مثلا، التعاون دائما، في هذه الحالة، فإنك تحسن صنعا إذا لم تتعاون. لكن إذا قرر خصمك أن يتعاون إلى أن تتوقف أنت عن التعاون، وبعدها لن يتعاون ثانية، هنا يجب أن تكون حذرا كي لا تفسد شراكتكما. إذًا، إن إغراء الخداع في إحدى الجولات والحصول على خمس نقاط بدلا من ثلاث، سيكون أفضل من التعويض من خلال توقُّع الخسارة في الجولات اللاحقة حيث لا يمكنك أن تأمل في ربح أكثر من نقطة واحدة.

 

إن غياب خيارٍ أفضل أمرٌ حرج، ولا توجد خطة مضمونة للعب معضلة السجين؛ إذ يقوم نجاح أحد اللاعبين على استراتيجية اللاعب الآخر التي يصعب التنبؤ بها. إن الاستراتيجية التي تنجح في بيئات محددة قد تفشل فشلا ذريعا في بيئات أخرى.

 

تشارك الخفافيش (مصاصة الدماء) في أفعال تعاون متبادل. فالخفاش الذي ينجح في التغذي من دم الأحصنة أو القطيع يتقاسم غذاءه مع رفيق جائع عبر تقيؤ جزء من محتويات معدته.

 

في أواخر السبعينات، استخدم عالم السياسة <R. أكسلرود>، من جامعة ميتشيگان، حاسوبه في خوض مباراة دورية في معضلة السجين المتكررة. كان المتنافسون ـ وهم برامج قدمها زملاؤه ـ على درجة عالية من التعقد، لكن تبين لنا أن المدخل الأبسط هو الذي يربح في نهاية المطاف. تسمى هذه الاستراتيجية بحق «واحدة بواحدة» Tit-for-Tat وتبدأ باستجابة متعاونة وبعدها تكرر دائما الحركة السابقة للاعب الخصم.

 

ومما يلفت النظر أن اللاعب الذي يطبق استراتيجية «الواحدة بواحدة» لا يحتل مكانة متقدمة في أية مرحلة من مراحل المباراة المتكررة لأنه دائما آخر مَنْ يفكر بعدم التعاون. ومع ذلك، يستطيع لاعب الواحدة بواحدة أن يربح الدوري كله، لأنه وفق معضلة السجين يمكن للاعب أن يحرز نقاطا دون أن ينتزعها من اللاعبين الآخرين. ومن خلال شفافيتها تُقنع استراتيجية الواحدة بواحدة، الخصومَ مرارا وتكرارا بجدوى التعاون. لقد قادت استراتيجية الواحدة بواحدة في دوري أكسلرود إلى عدة جولات تعاون مجزية، في حين غاص اللاعبون الآخرون في دروب عدم التعاون الطويلة.

 

لقد حصلت استراتيجية الواحدة بواحدة من خلال ربح المباراة الدورية على ممثلين في الجيل اللاحق أكثر مما حصلت عليه الاستراتيجيات الأخرى. إضافة إلى ذلك، غالبا ما يحصل اللاعبون المتعاونون على ذرية أكثر مما يحصل عليه غير المتعاونين. ومع كل جيل، شكلت استراتيجية الواحدة بواحدة بيئة أكثر تجانسا، واقتصر نجاح الاستراتيجيات التي استغلت المتعاونين بلا رحمة، على استنزاف مواردهم الخاصة.

 

خصوم لا يمكن التنبؤ بهم

لقد قمنا حديثا بإجراء محاكاة حاسوبية مطبقين مجموعة موسعة من الاستراتيجيات التي ترتكز حركتها اللاحقة على نتيجة الجولة السابقة وليس على مجرد حركة الخصم السابقة (كما حصل في استراتيجية الواحدة بواحدة.) إن استراتيجية قائمة على مُحَصِّلة سابقة ينبغي أن تحدد الاستجابة لكل واحد من الاحتمالات الأربعة: الإغراء، المكافأة، الجزاء أو الخسارة. وإن إجابتين ممكنتين لكل واحدة من أربع محصلات سابقة، تعطيان ستة عشر نمطا ممكنا من اللاعبين.

 

إضافة إلى ذلك، سمحنا باستراتيجيات «تصادفية» stochastic تستجيب للمحصلات الأربع الممكنة وذلك بتغيير يقتصر على ميولها الإحصائية نحو التعاون. وليس ضروريا أن تتوافق مثل تلك الاستراتيجيات دائما، وبالطريقة نفسها، مع محصلة معطاة. فقد يتعاون لاعب تصادفي بنسبة 90% من وقته بعد حصوله على المكافأة. فمثل هذا الارتياب يحاكي الأخطاء الحتمية التي تحدث خلال التفاعلات الحقيقية.

 

لقد نتج عدد كبير من الاحتمالات عن إضافة الاستجابات التصادفية. وبحث حاسوبنا عن أكثر هؤلاء اللاعبين نجاحا من خلال محاكاة قوى الاصطفاء (الانتخاب) الطبيعي، مضيفا إلى كل جزء من مئة من جيل كامل قدرا صغيرا جديدا من استراتيجية تصادفية مختارة عشوائيا. لقد تتبعنا العديد من جولات الاصطفاء بالطفرة mutation لملايين الأجيال، لا لأن ظهور التعاون قد احتاج إلى تكرارات عديدة جدا، وإنما بسبب أن هذا الامتداد قد أتاح لنا اختبار عدد كبير من الاستراتيجيات المحتملة.

 

وهذه الحوادث الزمنية المتسلسلة قادتنا بالتأكيد إلى بعض النتائج البسيطة الواضحة على الرغم من التنوع الغني الملحوظ فيها. وأولى تلك النتائج هي أن معدل ازدياد السكان قد يتغير فجأة. في الواقع، يعتبر السلوك الذي اطلعنا عليه حجر أساس من أجل التوازن الدقيق في التطور البيولوجي. وفي معظم الأحيان، إما أن يتعاون كل السكان تقريبا، أو لا تتعاون غالبيتهم. أما إذا اقتصرنا على بضعة أجيال فقط، فإن التغيرات التي تحدث في هذين النظامين هي في أغلب الأحيان نادرة ومفاجئة. ولقد وجدنا أنه ضمن أواخر السياق تميل فترات سكون إلى الاستمرار وقتا أطول وكأن ثمة ميلا أكيدا نحو التعاون، إذ كلما طالت فترة الارتقاء المسموح بها للنظام، ازداد احتمال ازدهار نظام تعاوني. ولكن التهديد بالانهيار المفاجئ يبقى قائما.

 

في بعض الأحيان، تحكم الاستراتيجية المسماة الواحدة بواحدة الكريمة Generous Tit-for-Tat الأفراد المتعاونين، وستقدم استراتيجية كهذه، في حالات عارضة، التعاون ردا على عدم التعاون. لكن هناك استراتيجية مختلفة كليا ـ يسميها عالما الرياضيات <D.كرينس> (من جامعة ديوك) و<V.كرينس> (من كلية ميريديث)، استراتيجية باڤلوڤ Pavlov ـ يتسع انتشارها بسرعة أكبر بكثير. يكرر لاعب باڤلوڤ حركة التعاون السابقة بعد حصوله على مكافأة لقاء تعاون متبادل. وبعد أن ينجو من جزاء عدم التعاون من جانب واحد، يكرر حركته الأخيرة بالطريقة نفسها. لكن باڤلوڤ ينتقل إلى التعاون. وبعد أن ينال جزاءه على تعاون أحادي الجانب، يكون رد فعله هو عدم التعاون. وباختصار، تنادي قاعدة باڤلوڤ بالالتزام بالحركة الأخيرة إذا كانت مجزية وبالتغيير إذا كان مردود هذه الحركة متدنيًا (عقاب أو جزاء الخاسر).

 

يبدو مبدأ «الرابح يبقى والخاسر يبدَّل» مناسبا للتطبيق في حالات عديدة أخرى. ويُنظر إلى هذا المبدأ في علم نفس الحيوان كشيء أساسي: يكون الفأر جاهزا لتكرار الفعل الذي يجلب له المكافأة، في حين أنه يميل إلى التخلي عن سلوك يجلب له نتائج مؤلمة. والتطبيق الفجّ نفسه «لسياسة العصا والجزرة» يكمن وراء معظم محاولات تنشئة الأطفال.

 

في إطار لعبة «معضلة السجين المكررة»، غالبا ما يعتبر الانتقام بعد تعرّض المنتقم للاستغلال، دليلاً على سلوك يماثل استراتيجية الواحدة بواحدة، لكنه يُعتبر كذلك تطبيقا لاستراتيجية باڤلوڤ. وإن مجتمعا مكونا من أفراد يتبعون استراتيجية باڤلوڤ هو مجتمع مستقر جدا في مواجهة الأخطاء. ويؤدي عدم التعاون غير المقصود بين اثنين من أفراده إلى جولة واحدة من عدم التعاون المتبادل وبعدها يعودان إلى التعاون. ويستمر اللاعب الذي يتبع استراتيجية باڤلوڤ، في عدم تعاونه إذا لم ينتقم خصمه. وهذا السلوك يجعل احتمال المبادرة بالنسبة إلى اللاعبين المتعاونين دائما، أمرا صعبا. وفي المقابل، لا يستطيع مجتمع لاعبي «الواحدة بواحدة الكريمة» التحيز ضد المتعاونين دون شروط. فهذا الإحسان مكلف على المدى الطويل، لأن اللاعبين الذين لا ينتقمون يمكن أن ينخرطوا في المجتمع ولاحقا ينسفون التعاون من خلال السماح للمستغلين بالنجاح.

 

تعرض المباريات الحيّزية لمعضلة السجين تطور شبيكة grid من اللاعبين، كل واحد منهم يتفاعل فقط مع خصوم في ثمانية مربعات متجاورة. والقسم المؤلف من الأفراد المتعاونين يحقق تدريجيا قيمة مستقرة بعد أجيال متعددة من اللعب (في أسفل اليسار). وفي إحدى اللقطات الفوتوغرافية المأخوذة بعد 50 جيلا (في أعلى اليسار)، يضم كل جزء من الشبكة الزرقاء المتعاون الذي كان متعاونا في الجولة السابقة. ويمثل الأخضر المتعاون الذي كان غير متعاون. ويمثل الأحمر غير المتعاون الذي كان من قبل غير متعاون؛ ويشير الأصفر إلى غير المتعاون الذي كان متعاونا. وإذا كانت الشروط الأولية متماثلة، تستطيع المباراة الحيّزية تطوير أنموذج يشبه سجادة فارسية (في اليمين).

 

وعلى الرغم من أن استراتيجية باڤلوڤ جيدة لمنع المستغلين من غزو مجتمع متعاون، فإنها قد تلاقي نجاحا بسيطا بين غير المتعاونين. ففي مواجهة المواظبين على عدم التعاون، مثلا، تحاول مع كل جولة ثانية استئناف التعاون. في دوري أكسلرود، قد يُصَنَّف باڤلوڤ قريبا من القاع. فمزايا باڤلوڤ تظهر فقط بعد أن تمهد لها الطريق استراتيجيات صارمة وغير مستسلمة مثل استراتيجية الواحدة بواحدة، وذلك من خلال إبعاد التطور عن مجرى عدم التعاون.

 

تعاون فطري

يمكن للمرء أن يستنتج باطمئنان أن ظهور السلوك التعاوني واستمراره ليس في كليته غير محتمل، شريطة أن يتكرر باستمرار لقاء المشاركين وأن يتعرَّف أحدهم الآخر وأن يتذكر نتائج المقابلات السابقة. يمكن أن تبدو تلك الظروف مألوفة في الحياة اليومية في المنزل أو في المكتب، لكن مثل هذه الاحتياجات تستلزم درجة عالية من الاطلاع عندما ننتقل إلى الحديث عن عالم أوسع من الكائنات الحية. ومع ذلك، فإننا نلاحظ شيئا من التعاون حتى بين الكائنات الحية البسيطة التي لا تمتلك مثل هذه القدرات. إضافة إلى ذلك، ستكون الاستراتيجيات المذكورة سابقا فعالة إذا لم تقتطع فوائد المواجهات المستقبلية اقتطاعا كبيرا مقارنة بالأرباح الحالية. مرة ثانية، قد يبدو هذا التوقع مقبولا بالنسبة للعديد من النشاطات التي يقوم بها البشر. لكن بالنسبة إلى العديد من الكائنات الأبسط، فإن الجزاء المؤجل في صيغة نجاح إنجابي مستقبلي قد لا يكون له أثر كبير، خصوصا إذا كانت الحياة قصيرة ولا يوقف فيها على حال، فثمة ضغط تطوري ضئيل للقيام باستثمارات طويلة المدى.

 

لكن ماذا عن المخلوقات، مثل العديد من اللافقريات التي يبدو أنها تعرض أشكالا من التعاون المتبادل، مع أنها غالبا غير قادرة على تمييز اللاعبين الفرديين أو تذكر أفعالهم؟ وكيف يمكن تأسيس السلوك الغيري والحفاظ عليه في تلك الظروف؟ إن أحد الحلول المحتملة هو أن يجد هؤلاء اللاعبون مجموعة ثابتة من المنافسين، ويتأكدوا أنهم هم الغالبية في هذه اللعبة. لكن يصعب عموما تحقيق مثل تلك الانتقائية؛ ومع هذا ثمة مثال واحد تكون فيه هذه الانتقائية سهلة بل وآلية. فإذا شغل اللاعبون مواقع ثابتة وإذا تفاعلوا فقط مع جيرانهم القريبين، فإنه لن تكون هناك حاجة إلى التعرف أو التذكر، لأن اللاعبين الآخرين مثبتين في مواقعهم. ومع أنه في العديد من المحاكيات التي قمنا بها، كان اللاعبون يواجهون دائما عينة تمثل السكان، فقد تفحصنا أيضا مواقف (سيناريوهات) لا يتفاعل فيها كل لاعب إلا مع عدد قليل من جيرانه على شبيكة grid ذات بعدين. وهذه «المباريات الحيّزية» spatial games حديثة العهد جدا، وتعطي منعطفا جديدا بالكامل لمعضلة السجين.

 

إضافة إلى ذلك، ليس مفاجئا أن يكون الحفاظ على التعاون أسهل بين سكان مقيمين: يمكن أن ينجح غير المتعاونين وسط حشد مجهول، لكن تبادل المساعدة يتكرر بين الجيران. وهذا المفهوم واضح بما فيه الكفاية، لكن في العديد من الحالات، تنمي التفاعلاتُ المقامة بحسب المناطق التعاونَ، حتى ولو لم يكن متوقعا لقاء تال. وهذه النتيجة تُرجّح التعاون حتى بالنسبة للمباراة بجولة واحدة التي تبدو عديمة الجدوى في معضلة السجين.

 

لندرس أنموذج مباراة محددا حيّزيًا (فضائيا) يجلس فيه كل عضو من المشاركين على رقعة الشطرنج المكبرة. ويكون كل لاعب إما متعاونا صرفا أو غير متعاون صرف، ويتفاعل فقط مع جيرانه المباشرين الثمانية، لاعبًا جولة واحدة من جولات معضلة السجين مع كل واحد منهم. ويتوارث من يحرز نقاطا أكثر المربع في الجيل اللاحق.

 

يمكن أن يَستغل غيرُ المتعاونين المتعاونَ الوحيد وبذلك يستسلم لهم، لكن يستطيع أربعة متعاونين من زمرة واحدة حماية أنفسهم، لأن كل واحد منهم يتفاعل مع ثلاثة متعاونين. وبذلك يستطيع غير المتعاون بصفته محايدا أن يستغل متعاونين اثنين على الأكثر. فإذا لم تكن مكاسب الغش كبيرة جدا، تعاظمت جماعات المتعاونين. وبالعكس، سيكسب غير المتعاونين المنفردون لأنهم سيكونون محاطين بمتعاونين يسهل استغلالهم. لكن نتيجة لانتشارهم يطوِّق غير المتعاونين بعضهم بعضا وبذا يقلِّلون من مكاسبهم.

 

يرتكز التطور الفعلي لهذه الأنظمة الحيّزية على قيم الجزاء. ومن الممكن بالتأكيد أن يكون بعض المتعاونين قد أُزيلوا من اللعبة، لكننا غالبا ما نجد تركيبة متنوعة التبدل عندما تُعتمد كلتا الاستراتيجيتين. وتستطيع مجموعة من المتعاونين الصرفين وغير المتعاونين الصرفين، أن تتعايش بنسب متفاوتة إلى ما لا نهاية. لكن يمكن التنبؤ بوسطي التركيبة السكانية على المدى البعيد. وهذه النتيجة قوية بشكل ملحوظ. وهي صحيحة في جوهرها بالنسبة إلى الخيارات الأخرى من نماذج الشبيكات grids وحتى بالنسبة لصفيفات arrays غير نظامية أو عشوائية. والمطلب المهم هو ألا يتفاعل كل لاعب مع أكثر مما ينبغي من جيرانه.

 

تحدد القواعد المباشرة لهذه المباريات الحيّزية ديناميات مذهلة التعقيد. وتسمح بأنماط تجول اللوحة، وتستعيد دوريا شكلها السابق. كما تستطيع الكشف عن النواحي البارزة المتكررة التي تزداد بلا حدود. وبعض تلك السمات تشبه نتائج <H.J.كونواي> في مباراة الحياة [انظر: , by Martin Gardner; Mathematical Games   Scientific American, October 1970] التي يستخدم فيها (كونواي) خطة لبناء أنماط حيزية وفق قواعد بسيطة لمحاكاة الكائنات الحية المتجددة. وبحكم طبيعتها، قد تكون النتائج الناجمة عن أية صيغة من الصيغ الحيزيّة لمعضلة السجين ـ سواءً كانت أنماطا غير نظامية أو سجادات فارسية متناظرة الألوان ـ غير قابلة للتنبؤ وشواشية chaotic، بمعنى أنه لا توجد خوارزمية يمكنها التنبؤ بما سيحدث. وربما يستطيع أكثر الرياضياتيين براعة استنباط طريقة ما لتحديد الأنماط المستقبلية.

 

لقد أدى التعاون بين الوحدات الصغيرة خلال التاريخ التطوري للحياة إلى ظهور بنى أكثر تعقيدا، كانبثاق مخلوقات متعددة الخلايا عن كائنات وحيدة الخلية. وبهذا المعنى، أصبح التعاون عنصرا أساسيا للتطور تماما كما هو للمنافسة.

 

إن البنى الحيّزية تعمل بشكل خاص لحماية التعددية. فهي تسمح بوجود المتعاونين وغير المتعاونين جنبا إلى جنب. وفي سياق مختلف، ولكن وثيق الصلة بهذا الموضوع، تسمح الأنماط الحيزية المتماثلة للسكان المضيفين والطفيليين، أو الحيوانات المفترسة وطرائدها، بالبقاء حية معا وذلك على الرغم من عدم الاستقرار المتأصل في تفاعلاتها.

 

يمكن لاستراتيجيات تعاونية كهذه أن تكون حاسمة في التطور قبل الأحيائي [انظر:

The Origin of Genetic Information by M. Eigen - W. Gardiner - P. Schuster - R. Winker - Oswatitsch;

Scientific American, April 1981].

ولربما تكون التفاعلات الكيميائية التعاونية عرضة «لخداع» التحولات في الخلايا التي أخذت من المساعدة الحفازية أكثر مما أعطت. ويُعتقد أن صعوبات كهذه قد نسفت أفكارا عديدة عن التطور قبل الأحيائي المبني على سلاسل تعاونيةلكن< C.M .بورليجسبت> و <P.هوجويگ> (من جامعة أوتريخت) قد أوضحا حديثا من خلال محاكيات حاسوبية أن التكوينات الحيّزية المتولدة ذاتيا تتطابق مع تلك التي صممناها وتستطيع أن تعيق انتشار الخلايا الطفيلية المدمرة.

 

توضح نماذجنا على الرغم من كونها فجة، كيف يمكن أن ينشأ التعاون وكيف يمكن الحفاظ عليه في الأنظمة الحقيقية. وقد تنجذب الكائنات المتطورة إلى اتباع الاستراتيجيات التي تشجع التعاون وذلك بسبب التفاعلات المتكررة بين الأفراد الذين يستطيع كل واحد منهم تعرُّف الآخرين وتذكرهم. لكن في الكائنات الأبسط، يستمر التعاون، وربما يكون ذلك بفضل البنى الحيزية المنظمة ذاتيا والمتولدة من التفاعلات مع الجيران المباشرين في مجموعة حيّزية ثابتة. وفي مسيرة التطور، يبدو أن هناك أمثلة عديدة لإظهار أن كل شيء ـ بدءا من الجزئ وانتهاء بالإنسان ـ يرتكز على التعاون. وبعبارة أخرى، قد يكون التعاون أقدم من الحياة نفسها.

 


 المؤلفون

Martin Nowak - Robert May - K. Sigmund

في أعمالهم المختلفة جرب هؤلاء أمثلة عديدة عن التعاون والتنافس.. نوك، زميل في هيئة البحث المتقدم وزميل في كلية كيبل بجامعة أكسفورد، حيث يعمل في قسم علم الحيوان. وماي أستاذ باحث في الجمعية الملكية للبحث بجامعة أكسفورد وفي الكلية الملكية بلندن، وهو أيضا رئيس أمناء متحف التاريخ الطبيعي. أما سيگموند فيعمل أستاذا في معهد الرياضيات بجامعة فيينا ويشغل منصبا في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية في لاكسنبرگ بالنمسا. قام هؤلاء بوضع نماذج رياضياتية لعدد كبير من المشكلات في علم الأحياء. وألف كل من ماي وسيگموند كتبا عديدة. أما نوك فيشير فقط إلى أنه قرأ عدة كتب.

 


مراجع للاستزادة 

THE EVOLUTION OF COOPERATION. Robert Axelrod. Basic Books, 1985.

TIT-FOR-TAT IN HETEROGENEOUS POPULATIONS. Martin A. Nowak and Karl Sigmund in Nature, Vol. 355, No. 6357, pages 250-253; January 16, 1992.

EVOLUTIONARY GAMES AND SPATIAL CHAOS. Martin A. Nowak and Robert M. May in Nature, Vol. 359, No. 6398, pages 826-829; October 29, 1992.

A STRATEGY OF WIN-STAY, LOSE-SHIFT THAT OUTPERFORMS TIT-FOR-TAT IN THE PRISONER'S DILEMMA GAME. Martin A. Nowak and Karl Sigmund in Nature, Vol. 364, No. 6432, Pages 56-58; July 1, 1993.

GAMES OF LIFE: EXPLORATIONS IN ECOLOGY, EVOLUTION, AND BEHAVIOUR. Karl Sigmund. Penguin, 1995.

Scientific American, June 1995

 

HyperLink